هذه الواقعة سجلتها الصحافة المصرية في حينها وهي بالفعل نادرة الحدوث في أي مكان على وجه كوكبنا الأرضي وعظيمة الدلالة أيضاً، فقد حدث أن قامت السيدة الأميركية الأولى لورا بوش زوجة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن بصحبة سيدة مصر الأولى سوزان مبارك بزيارة إلى مدينة الإسكندرية في منتصف العقد الأول من القرن الجديد، وكان من ضمن برنامجها زيارة إحدى المدارس التي أقيمت بأموال المعونة الأميركية وهي مدرسة حكومية تلاميذها من الفقراء أبناء الأسر البسيطة الذين يعانون الفاقة والعوز وسوء الملبس والمظهر.

وبدون شك لم يكن ذلك مناسباً كمشهد حضاري يشرف الدولة أمام الأجانب، فما كان من السادة القائمين على الأمرإلا أن تفتقت أذهانهم عن فكرة جهنمية تمثلت في منح المدرسة بأكملها إجازة رسمية في هذا اليوم بما في ذلك التلاميذ والمدرسين والموظفين والمديرة والسعاة ومعاوني الخدمة والاستعانة بدلاً منها بمدرسة لغات من أبناء الطبقة الراقية حسنة المظهر والهندام، وحضر في طابور الصباح داخل جدران مدرسة المعونة التلاميذ الجدد ومدرسوهم ومديرتهم لتشريف سيدة مصر الأولى أمام الأجانب بإخفاء عوراتنا الاجتماعية!

وفي هذا السياق أفرزت العلاقات الشيطانية بين السلطة والمال والأمن وتهميش الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة حالة من التفسخ والتشرذم والأنماط المعيشية والسلوكية تؤكد أن مصر في تلك الفترة السابقة على ثورة يناير2011 لم تكن بلداً واحداً وإنما أمصار متعددة ليس على مستوى الطبقات المتفاوتة.

وإنما داخل الطبقة الواحدة ذاتها، ولم يكن مطلوبا من أي مراقب أو متابع أو محلل أو حتى مواطن عادي الكثير من الجهد ليصف ما يحدث في البلاد بأنه حالة من التناقضات الصارخة في السياسات والتصرفات والسلوكيات.

فقد عرف المصريون ثقافة «المولات» والمراكز التجارية العملاقة وشراء أفخم السلع، وعرفوا أيضا الموت في طوابير الخبز وأنابيب البوتاجاز وتناول الطعام الفاسد ولحوم الحمير والدواجن النافقة وشرب المياه الملوثة والمخلوطة بمياه المجاري وأكياس الدم الملوثة.

عرف المصريون ثقافة التسوق من العواصم الأوروبية الكبرى والدول الخليجية وشراء الممتلكات والعقارات فيها، كما عرفوا ثقافة الموت في قوارب الهجرة غير الشرعية خلال محاولاتهم التسلل إلى أي دولة أوروبية بحثاً عن «لقمة العيش».

عرف المصريون ثقافة «القرى السياحية والكومباوندز الفاخرة » وعرفوا أيضا ثقافة سكنى القبور والمبيت في العراء والتشرد من بيوتهم في مواجهة أي كارثة طارئة، عرف المصريون ثقافة شراء وركوب السيارات التي يتجاوز سعرها ملايين الجنيهات وعرفوا الموت اختناقاً داخل وسائل مواصلات غيرإنسانية وفي حوادث مروعة وضعت مصر في المرتبة الأولى عالمياً .

من حيث عدد ضحايا حوادث الطرق في ظاهرة انفردت بها مصر عالميا تحت مسمى «نزيف الأسفلت»، وعرف المصريون ثقافة التعليم الأجنبي داخل المدارس الدولية والجامعات الأميركية والكندية والبريطانية والألمانية بمصروفات باهظة وعرفوا أيضا ثقافة مجانية التعليم الوهمية وانهيار العملية التعليمية الحكومية.

وحتى ثقافة الملبس لم تسلم من التناقضات الصارخة حتى بين أبناء الطبقة الواحدة، فبين الأثرياء على سبيل المثال تجد المحجبة والسافرة جنباً إلى جنب في نفس الكلية الخاصة أو الأجنبية، بل في نفس النادي تجد المنقبة مع من ترتدي لباس البحر تسيران جنباً إلى جنب وتربطهما صداقة عميقة.

وانتشرت في البلاد مختلف الأزياء الوافدة من ملابس باكستانية وخليجية وأفغانية وإيرانية وأوروبية، وعلى الشاطئ الواحد وداخل أي مركز تجاري وفي أي موقع عمل تستطيع أن تكتشف من أول وهلة أنك أمام مجتمع مشوه في مشاهد تؤكد تفتت الهوية المصرية وضياعها نتيجة التناقضات الطبقية والتردي الاجتماعي الذي ضرب البلاد في مقتل .

وأيضاً كانعكاس لسياسات الحزب الوطني الفاشلة التي عمقت الفجوة بين طبقات المجتمع، وأضاعت الطبقة الوسطى، فازداد الفقراء فقراً والأثرياء ثراء وتفاقمت ظاهرة تركز الثروة في أيدي قلة محدودة في استعادة صريحة لواقع مجتمع ما قبل ثورة يوليو 1952 الذي عرف بمجتمع النصف في المائة.

هذا الواقع عايشناه مع السنوات الثلاثين السابقة على الثورة أو على الأقل نتيجة لتراكماتها مع استفحال ظواهر اجتماعية أشد خطورة مثل ظاهرة سكان القبور من الأحياء بالقطع وليس من الأموات، فضلاً عن سرطان العشوائيات الذي زحف على المدن الكبرى وجعلها «تتريف» بأنماط سلوكية ومعيشية غريبة عليها فأضاعت هويتها بين الريف والمدينة.

بينما انتشرت داخل العشوائيات ذاتها سلوكيات اجتماعية غير مقبولة، مع تفشي البطالة والإدمان والبلطجة والانحلال الأخلاقي المصحوب بالفقر المدقع وتجارة المخدرات والانعزال عن المجتمع والفشل في التأقلم معه بالشكل الإنساني الطبيعي، وارتبط بكل هذا التردي الاجتماعي ما يشبه الانهيار الشامل في الخدمات الاجتماعية من صحة وعلاج إلى تعليم وأبحاث علمية إلى المرافق العامة.