من سنة الله في كونه، أن الشدائد تأتي معها باللحظات الكاشفة، وأن المعادن الأصيلة وجوهر الرجال يتضح عند الشدائد، كما أنه من الصعوبة بمكان التفريق بين طبائع الناس إلا عند الأزمة، ولذلك قيل، الصديق وقت الضيق، تعلمنا هذا وغيره في القواعد الحاكمة للعلاقات الإنسانية بين البشر، غير أن هذا الحديث ينسحب كذلك على الدول، باعتبار أن الشعب هو المكون الرئيس للدولة، وهو يمثل بدوره جماعات إنسانية تحب وتبغض وتحزن وتفرح وتأمل وتحبط وتعطي وتمنع.
ولأن تاريخ الإمارات يقف شاهداً على أنها كانت دائماً حيث يجب أن تكون، عند النداء تلبي «حي على العطاء»، بل إنها تكون قبل النداء لتبادر بالخير من منطلق الواجب الإنساني الذي أخذته على عاتقها خلفاً عن سلف، حتى صارت عاصمة الخير والعطاء، ونالت محبة الشعوب قبل الحكومات في أنحاء المعمورة، كيف لا وأنت حيثما تولي وجهك تجد آثار الخير وعلامات المحبة وشواهد البناء يقف من ورائها تاريخ حافل يصعب حصر مفرداته، التي جاء تقرير وزارة الخارجية لعام 2014 ليعبر عن غيض من فيضه.
ليؤكد أن دولة الإمارات قدمت خلال السنوات الست الماضية مساعدات إنسانية للاجئين في 71 دولة حول العالم، بلغت قيمتها ما يقرب من أربعة مليارات درهم، كما أسهمت خلال السنوات الثلاث الماضية في دعم الجهود الدولية، بما يقرب من تسعة مليارات درهم للقضاء على الفقر، بخلاف المبادرات الإنسانية المتعددة، حتى أصبحت نجدة الملهوف سمة من سمات أبناء الإمارات، ومحدداً أساسياً من محددات سياستها الخارجية.
وآية ذلك، تلكم الاستجابة الكبيرة لنداء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عبر حسابه على الإنستغرام إلى المسارعة في المساهمة بحملة «تراحموا»، التي وجه بها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، لإغاثة اللاجئين من موجة البرد، التي تضرب شرق البحر المتوسط، بعد أن توفيت أول طفلة من اللاجئين السوريين بسبب ذلك البرد القاتل.
ومن يتأمل هذا المشهد، وكيف كانت سرعة الاستجابة، والتي سجلت بها كافة قطاعات الدولة سابقة كبيرة بتنفيذ الحملة خلال عدة ساعات، للحد الذي جعل المساعدات تصل إلى أهل الشام قبل العاصفة، لهو دليل على ذلك التناغم الكبير والرباط الوثيق بين القيادة والشعب، الذي توجه له صاحب السمو بالنداء قبل غيره، فكان عند النداء إيماناً منهم بحق أهلنا في أرض الشام في الوقوف بجانبهم وتخفيف آلامهم وتفريج كربهم.
إن القيادة التي نادت والشعب الذي لبى النداء، يؤكد على نهج الإمارات الدائم في ألا تهب منها غير رياح الخير والنماء دون منّ أو انتظار ثناء، كما أنها تعلن عن جاهزية شعب تربى أبناؤه على حب العطاء ومساعدة الإنسان دون الوقوف على لون أو جنس أو عرق أو دين، حتى ضرب القدوة والنموذج للشعوب من حولنا «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».
والشاهد أن وسم حملة «تراحموا» لاقى من اللحظة الأولى لانطلاقه ترحيباً واسعاً وتجاوباً كبيراً، ليس على مستوى الإمارات، بل على النطاق العربي، وأصبح وسم الحملة على شبكات التواصل الاجتماعي ضمن قائمة الأكثر تداولاً.
وهو ما يشير إلى الاستخدام البناء والإيجابي لشبكات التواصل الاجتماعي في ما ينفع الناس، وهو نهج يجب تعظيمه والدق عليه بشكل منتظم، لأنه يبث في أبنائنا القيم عبر السلوك والفعل والقدوة والنموذج «ومن شب على شيء شاب عليه».
وفي تقديري أن تلك الاستجابة الكبيرة والسريعة والمعتادة، تؤكد أن الوطن بقيادته وشعبه ومؤسساته على قلب رجل واحد، بل إنه جسد واحد، ورغم اليقين القطعي بذلك، إلا أن تلك المبادرات الخيرة لها دور كبير في إيقاظ ذلك الشعور وتنبيهه، كالجنود الذين يقومون ببيانات عسكرية وتدريبات من حين إلى آخر، والصلة وثيقة بين الأمرين لا شك، ألم تأتِ التضحية بالمال بعد النفس في كتاب الله الكريم؟.
كما أن تلكم الحملة الخيرة، والتي اتخذت وسم «تراحموا»، لهي دعوة لنشر السلام والمحبة بين الناس، وأننا أخوة في الإنسانية قبل العرق أو الدم «كلكم لآدم وآدم من تراب»، وهي دعوة للتسامح والانفتاح على العالم، وأن يعتاد أبناؤنا أن يشاركوا غيرهم في أتراحهم وآلامهم، وفي هذا تنمية للحس الإنساني الذي لا يجب أن يألف رؤية الغير في أزمة دون أن يحرك ساكناً.
ومن أعتاد أن يشارك من هم خارج الوطن مصابهم، فهو لوطنه أوفي ولأبنائه أرحم، وفي هذا تكريس الانتماء للوطن، فصدق المواطنة يعني أن تتسع رؤيتي وتعلو اهتماماتي فوق مصالحي الضيقة لمشاركة الغير في هم عام، فما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط.
كما أن التفاعل المؤسسي يؤكد على البعد الاجتماعي، والدور الذي يجب أن تقوم بها المؤسسات، باعتبار دورها في المحيط الذي تعمل فيه، سواء الوطني أو العربي، وهو ما يجعل الآخرين ينظرون إليها بإيجابية، وإلى عملها بالتقدير، ويجعل من تلك المؤسسات كائناً حياً قادراً على الحركة، ومواطناً صالحاً يقدم الخير للناس، وهو ما يجعل جمهورها يقف بجانبها حين تتعرض لهزات أو كبوات، باعتبار ما رسخته من صنائع الخير من قبل، وهو ما ينعكس على مستوى أدائها ونجاحاتها في ميدان الأعمال بسياج من الأخلاق والمسؤولية الاجتماعية.
إنها ملحمة العطاء ومضمار الخير الذي يتنافس فيه أصحاب الأهداف النبيلة، ومعركة البناء والنماء وخير الإنسان تتعدد فيها المساهمات لنجدة الملهوف وإغاثة المكروب، غير أن المساعدة بالمال لا تنسينا كتائب الخير من أبناء الوطن الذين يشاركون المكروبين بالنفس، حاملين لهم رسائل المحبة من أبناء الإمارات، هؤلاء الذين يبذلون الجهد والنفس عبر التطوع والعمل الميداني من خلال المؤسسات الخيرية والإنسانية، هم جنود غير مجهولين، ينشرون الدفء في قلوب المكروبين قبل بيوتهم.