تقول حكمة لدى قبائل الشيروكي بأنه «في داخل كلٍ مِنّا يتعارك ذئبان، أحدهما شرير والآخر خيّر، ينتصر منهما من نُغذّيه دوماً»، فما نشأ عليه الإنسان واشتد عوده به منذ نعومة أظفاره لن يكون من المتيسّر الخروج من أتونه لاحقاً وربما لا يريد الخروج فعلاً ولكنّ متطلبات المرحلة الزمنية هو ما يجعله يُبدي تغيرّاً عن خطّه السابق وأفكاره القديمة التي تتصادم مع الواقع وتفتقد لأرضية حوار مع الآخرين.

أتابع منذ فترة فصلاً جديداً في نقل المعركة مع الإمارات إلى ميدانٍ أكثر تعقيداً عن المناوشات الانفعالية السابقة لأتباع الحزب المعروف، إذ تمخضت الأحداث في مصر تحديداً عن مجموعة من الكُتّاب أخذت على عاتقها اختلاق ما يُعقَل وما لا يُعقّل لتصوير الإمارات وقيادتها كمتآمر على حُريّات الشعوب ومُكرِّس للديكتاتوريات وسلطات الاستبداد والطغيان السياسي.

وهي كلمات تفعل الأفاعيل في نفوس البسطاء وعقليات المنفعلين دوماً وتجعل سيرفرات تويتر وفيسبوك تئن من «فزعات» المغاوير والنشامى الذي يصح عليهم تعبير «مع الخيل يا شقرا».

وتنحت تلك الكلمات المنمّقة بخبثٍ غير مستعجل في جدران الوعي العربي لخلق عدوٍ للعرب والاسلام متمثل في دولة لم يُعرَف عنها إلا الأيادي البيضاء في الخير ووقفات الحزم عندما تتميّع المواقف ويحاول الطائفيون والأغمار تصدّر المشهد السياسي للعبث بمقدرات الأوطان وأمنها ومستقبل أبنائها.

يدندن جمال سلطان والذي كانت بداياته مع جماعات الغلو والتكفير قبل أن ينتقل إلى ما يسمّى بالسلفية الإصلاحية بالحط على دولة الإمارات ليل نهار، ولا تمر عليه مناسبة إلا ويزج باسم سمو ولي عهد أبوظبي في كل موقف ملتبس أو تصادم بين تيارات ليجعله مع الطرف المناوئ لمصالح الأمة والمخطط للتخريب و«التغريب» .

وكم كان منحطّاً وهو يحاول إلغاء اختيار شعب رائع كالشعب التونسي الشقيق وليطبّل وراءه رفاقه في غوغائية اعتدناها من حملة أصحاب هذه العقليات المضطربة والتي لا تقوى على النقاش بل ولا تسمح به.

فمن يحاول مناقشتهم ستكون تُهم الخيانة والعمالة بانتظاره وفي أحسن الأحوال سيوصم بالنفاق والتملّق والتمسّح بالأعتاب، والغريب أنّ هذه هي ذات التهم التي يتباكى جمال سلطان أن الإخوان المسلمين يكيلونها له زوراً، فأنْ تصفوني بها فذاك خطيئة، لكن أنْ أصف بها مخالفيني فذلك حقٌ لا مرية فيه!

منذ سنين وجمال سلطان يقود خطّاً متشدّداً في الفكر وألّف في ذلك المنحى كُتباً لاقت رواجاً كبيراً لدى شباب الخط السلفي الاصلاحي في شبه جزيرة العرب، فمفردات كالديمقراطية والليبرالية كانت وجهاً آخر للكفر والتحاكم للطاغوت.

ثم عاد بعد فترة انقطاع ليُغيّر قناعاته تماماً، فالديمقراطية أصبحت كلمة لا يستطيع الاستغناء عنها من قاموس مفرداته اليومية والليبراليون لم يعودوا أعداء والأحزاب اليسارية أصبحت ركناً ركيناً من المشهد السياسي لا بُد من احترامه.

وعندما حَار متابعوه من هذا التوجّه المغاير كانت المفاجأة الصادمة عندما ذكر في لقاء مطوّل أنّه لن يغيّر أفكاره المتشدّة القديمة والموجودة في كتبه لأنها ـ بزعمه ـ تصلح لأي بيئة مازالت بها ذات الركائز التي على أساسها ألف تلك الكتب.

ولمّا تمت مواجهته بأن أفكاره ذات الخط الأحادي هي أحد أسباب نمو ظاهرة الغلو والتطرف واستشراء الجماعات الجهادية المتطرفة وبأنه لا بد أن يقوم بمراجعة وتعديل تلك الكتب رفض رفضاً قاطعاً في نرجسية غريبة وشخصية مزهوة بنفسها وبتناقضاتها وتَعْلَم أنّ أفكارها الشاذّة وفهمها الموتور هو أحد أسباب أزمتنا حالياً مع الجماعات المتشددة ولكنه يلقي سهامه تجاه من يحاول رأب الصدع المتزايد في أوطان العرب.

ولا يرى في أفقه الضيّق سوى الإمارات ومحمد بن زايد ليخلع عليهما دوماً ترهاته وتلبيساته وليدس السم في العسل بالعزف على وتر الاسلام المغدور في استجداءٍ وضيع لتأجيج فئاتٍ من الناس البسطاء أو ذوي الأجندات التي سقطت عند أول اختبار حقيقي.

وكم ابتُلِيَ الاسلام بأمثال هؤلاء الذين يحاولون الظهور بمُسَح الأولياء وقلوبهم مُربادّة لا ترى إلا مصلحتها كما قال تعالى: «والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين» ثم أتبع سبحانه ذلك بذكر أهم أساليبهم في تقمّص دور الناصح المشفق امعاناً في تحوير الرأي العام «و ليحلفنّ إنْ أردنا إلا الحُسنى والله يشهد إنهم لكاذبون» !

لن أبخس الرجل حقه من الذكاء الاعلامي، فقد أحسن استغلال فترة ما بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي بتقديم نفسه كناقد محايد بين خصومات الأطراف السياسية، قبل أن ينقلب بشكل كبير ضد فكر الإخوان المسلمين إثر انكشاف مشروعهم الفئوي الساذج، والمضحك أن موقفه الرافض لهم يعتبره منطقاً صائباً .

ولكن موقف الإمارات من ذات الفكر بنفس الرفض يعتبره تآمراً على ثورات الشعوب وعمالة للغرب، فبأي عقلٍ يتكلم هذا الرجل، والأدهى من ذلك كيف تمر تلك الازدواجية الفضيحة أمام قرّائه ومريديه دون أن يتساءلوا عن هذا التناقض الفج الذي لا يبرره سوى الفجور في الخصومة مع الامارات وقيادتها.

والتي نجح مع طائفةٍ تُشاطره الهوى ممن ينتسب للنخب المثقفة في خلق غيومٍ مظلمة حجبت الحقائق عن شرائح كبيرة من القراء وزوّرت تقارير لا تُحصى للزج باسم سمو ولي عهد أبوظبي تحديداً فيها في بيان جلي على السقوط الفكري والأخلاقي الذريع لهذا الشخص وصحيفته.

لن نُعْدَمَ بياناً ولن تنقصنا حُجّة في الرد على هذا التيار، ولن نتوقف عن كشف الملابسات وتوضيح الحقائق المطموسة، فعصر «استرقاق» و«تدجين» أفكار الناس قد ولّى، وادّعاء «الطُهرانية» لدى أبعد الناس عنها لن نتركه يعبث أكثر بعقول البشر، أمّا أتباعهم ممن لا عقول لهم فلا تثريب عليهم، فعن قريب لن يجدوا جمالاً في جمال إلا اسمه فقط!