
في ليالي الشتاء لا مطلب سوى الدفء. ولا أدفأ من ان ترى النار بأم بردك، تسمع طقطقة الحطب موسيقى دافئة تتسرب الى فكرك فاما ان تنشطك وتدعوك لرقصة على ارض من فرح أو كما زوربا على شاطئ من حزن، رمل يقطر دمع بحر رحلت عنه السفن وبقي وحيدا مالحاً.
قبل التدفئة السنترال وصوبات الكاز والغاز كان الدفء أدفأ. الجدة قبل مغيب الشمس تلم عيدان الشجر الجافة، ترتبها بعناية في الكانون (المنقل) كأصابع حلوى، ترش عليه قطرات كاز وبعود ثقاب واحد تشتعل النار، ترحل رائحة الكاز، تحرق النار الحطب، يصير جمراً. ابريق الشاي على طرف الكانون ولا مانع من غرز حبات بطاطا صغيرة في المنتصف بديلا للكستناء الخاصة بالاغنياء. يدب الدفء في اطراف الاصابع ثم يصعد ويصعد حتى يهزم البرد حتى اعلى الرأس.
الجدات هن الرائعات الدافئات الحنونات. وكما للدفء طقوس، للنوم ايضا طقوس وحكايا وحزازير «تعالوا احزركم هذه الحزٍيرة (الفزّورة)، تقول الجدة: هل تعرفون قصة ابريق الزيت؟ نجيب: لا. ترد عرفتوا وللا ما عرفتوا احكيلكم قصة ابريق الزيت؟ نقول: لا. وتظل الجدة تكرر السؤال ونكرر الجواب حتى يغلبنا النعاس وننام. كبرنا وعرفنا انه لم يكن ثمة حل للحزٍيرة لانه لم يكن ثمة قصة لابريق الزيت
. تماما كما انه ليس ثمة قصة اسمها السلام مع اسرائيل وبالتالي لا حل في ما يطرح للقصة الفلسطينية. وان ما جرى من مفاوضات منذ بدأت في مدريد واوسلو وواي ريفر وطابا 1 وطابا 2 وكامب ديفيد 2 عدا عن تلك التي جرت على مدى اشهر بمعدل مرة كل اسبوعين بين محمود عباس ويهودا اولمرت في القدس وغيرها وغيرها!
لقد دخل الشعب الفلسطيني العملية السلمية بناء على الادراك بان العملية ستستمر على أساس القانون الدولي وقرارات مجلس الامن ومبدأ الارض مقابل السلام الذي بنيت عليه هذه القرارات والاتفاقيات العديدة التي تم توقيعها بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل ..
وكان يفترض فيها ان تجسد هذه الصيغة، ولكن اسرائيل تجنبت القانون الدولي وجعلت العملية بدلا من ذلك مفاوضات طويلة جدا كانت دائما تعمل لصالح اسرائيل الجانب الأقوى. حتى عندما يجنح احدهم للسلام فانهم يقتلونه كا قتلوا اسحق رابين في نوفمبر 1974 برصاص المستوطن ايجال عامير.
وها هو رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو يعلن انه لا توجد هناك مواعيد نهائية مقدسة! ولم تنفذ اسرائيل في الواقع أي موعد نهائي للانسحاب وكل رئيس وزراء اسرائيلي جديد يعيد تقييم التزامات سلفه مما أدى الى استمرار المزيد من التأخير لعملية السلام. فقط «اعيد التفاوض» حول الاتفاقيات..
وفي كل حالة بقي الوضع القائم على ما هو عليه الى ان يتم التوصل الى اتفاق جديد لان الوضع القائم يشمل سيطرة اسرائيلية كاملة سواء على الارض او التنقل او العائدات، وليس لديها أي محفز أو دافع للتقدم في المفاوضات بنية حسنة.
حوالي ربع قرن مر على مفاوضات مدريد التي جاءت اصلاً كترضية للعرب عن ضرب العراق لكن لم تتحقق اية خطوة سلام. اسرائيل تتمادى في تنفيذ المشروع الصهيوني واميركا تدعمها بكل ما اوتيت من فيتو وسلاح ومال واعلام و... وقاحة. طيلة هذه المدة نجحت اميركا في «اختطاف» الملف الفلسطيني بالكامل باعتبارها راعية عملية السلام..
حيث ابعدت موسكو وحيّدت الأمم المتحدة، وحوّلت الرباعية الدولية إلى شاهد زور، وجعلت من أوروبا مجرد «مموّل» لمبادراتها ومشاريعها، والنتيجة كانت ان فشلت الولايات المتحدة في جميع مساعيها للوصول إلى حل تفاوضي للقضية الفلسطينية، لا هي نجحت في إنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان، ولا هي ساعدت على تجسيد «حل الدولتين».
الفلسطينيون سئموا حالة الاحتلال واللاحتلال، السلام واللاسلام، ونفضوا ايديهم من الاتكال على الراعي الاميركي الذي يعطي اسرائيل كل العشب وترك للفلسطينيين الحطب فلجأوا الى الشرعية الدولية ممثلة بمجلس الامن من دون ان يكون لديهم امل كبير في الا تعارض اميركا مطلبهم بوعد، مجرد وعد بان تقام دولة فلسطينية على الاراضي التي احتلتها اسرائيل العام 1967 وذلك قبل نهاية 2017.
لكن اميركا لم تخيب ظنهم وقتلت املهم بالفيتو ضد مشروع القرار الذي قدمه العرب لمجلس الامن في آخر ايام العام الماضي. وهذا هو الفيتو 42 الذي تستخدمه اميركا ضد قرارات لمجلس الامن تدين الممارسات الوحشية الاسرائيلية.
يذهب الفلسطينيون الى منظمات الامم المتحدة الاخرى والى المحكمة الجنائية الدولية ليخوضوا معركة القانون الدولي ضد الاحتلال لكن نتنياهو محترف الكذب على العالم لهم بالمرصاد فقد صورهم بانهم مجموعة ارهابيين خارجين عن القانون..
وان ما قامت به اسرائيل من قتل وغارات وحرب على غزة وما تمارسه من اعتقالات واقتلاعات واغتيالات في الضفة مجرد دفاع عن النفس الاسرائيلية المحشوة بالحقد والبارود! يقيناً ان وقوف الفلسطينيين على عتبات الجنائية الدولية والامم المتحدة لن يزيل احتلالا ولن يحقق استقلالا هل تعرفون قصة ابريق الزيت؟!!!!