
أعلنت بعثة الأمم المتحدة في العراق «يونامي» أن عدد ضحايا العنف في البلاد خلال العام 2014 المنصرم بلغ 35408 بينهم 12282 قتيلاً و23126 مصاباً بينما تم تسجيل 4583 حالة اختطاف مصير أغلبهم لايزال مجهولًا، كما تجاوز عدد النازحين المليونين أغلبهم من محافظة نينوى.
عام 2014 هو الأسوأ على العراق منذ عام 2006 حيث سيطر تنظيم داعش على مدن عديدة ومساحات شاسعة من الأراضي العراقية.
لم يسقط جميع هؤلاء الضحايا في قتال دفاعاً عن الوطن ضد غزو خارجي، ولم يقتل معظمهم وهم يحملون السلاح بل ذهبوا ضحايا حرب مجنونة داخلية ذات صبغة طائفية تتحكم فيها مصالح جهات خارجية، وهي حرب تعبر عن حجم الدور الذي تلعبه ثقافة الماضي المشوهة في تدمير الحاضر.
الأرقام كبرت أم صغرت جرداء لا عاطفة لها، فهي لا تستهوي ذوي المزاج الحسي لأنها لا تمس الوجدانيات كما تفعل الكلمات، فوراء هذا العدد الكبير من الضحايا يكمن عدد مساو من المآسي لذوي وأصدقاء كل ضحية، ومآسي أخرى اجتماعية تترتب على زيادة عدد الأرامل واليتامى.
وحين نقارب مشهداً أصبح مزمناً بين ظهرانينا نتسائل عن عبثية هذه الحياة التي يغتال أناسنا فيها سنة بعد ثانية بعد ثالثة بعد رابعة في مسلسل نشهد قساوته منذ اثنتي عشرة سنة ونحن عاجزون نتخبط حيرة وحسرة، نصرخ أحياناً بغضب وثورة وننتحب أحياناً أخرى بصمت. يختلط صراخنا ونحيبنا بمعالم واقع مرعب نشعر بغربة عقلية تامة عنه ونضطر لمقاربة مفرداته الصغيرة بحذر وخوف كبيرين، في حين يقارب مساحات حياتنا الواسعة بسماجة وغلظة وقسوة منقطعة النظير.
منذ سنوات ليست بعيدة بدأت مخيلاتنا، حتى الجامحة منها، تتراجع عاجزة عن تصور شكل المستقبل الذي ينتظرنا في ضوء بقاء هذا المشهد البائس. فاستعراضه استحضار لسيناريوهات أهوال نسعى لتجاوزها ابتغاءً في صناعة الغد وهروباً من أوجاع الأمس وأوصابه. إلا أننا قد وجدنا أنفسنا مكرهين على مواجهة هذا الواقع البشع الذي يرفض مغادرة أرضنا لأنه ينتمي إليها ومرغمين على الدخول في حواره المرعب ولكن بمداخلنا اللاعنفية كي لا نكون شهوداً على المزيد من الأجساد التي تتمزق والأشلاء التي تتطاير والدماء التي تسيل والكلمات التي تموت على شفاه حائرة تتمتم لماذا ؟؟؟.
إن من خطل الرأي اعتبار حالة العنف التي تتميز بها الساحة العراقية وليدة ساعتها وبإرادة حفنة من قادة المليشيات، فحالة كهذه لا تسود إلا من خلال توافر ثقافة عنف لها حضور قوي في المجتمع.
وجذور تعمقت من تراكمات مشاعر الألم والحزن والإحباط والحقد في النفوس على مدى سنوات إن لم نقل عشرات السنوات. فما يجري في العراق ليس حالة طارئة بل حالة مستمرة بمظاهر شتى حسب الظروف التي يمر بها البلد وقد نشر أكثر من كتاب حول تأريخ العنف الدموي في العراق.
وإذا تناسينا ما تركته صراعات الماضي البعيد، الصراع الأموي- الشيعي ثم الصراع العباسي - الشيعي ثم الصراع العثماني - الصفوي..
وهي صراعات شهدتها الأراضي العراقية، من إرث ثقافي يتسم بعنف شديد مؤطر بمعتقدات مذهبية في بلد لايزال مقسماً وفق هذه المعادلة وتمعنا فقط في المشهد العراقي في الحقبة التي أعقبت ثورة الرابع عشر من يوليو عام 1958 لوجدنا أنفسنا أمام مشاهد عنف مستمرة، الحكومات فيها هي الجهة التي احتكرت ممارسته، إذ لم يسمح لهذا العنف أن يمتد ليمارس خارج إرادتها إلا في الحالات التي ضعفت فيها هذه الحكومات.
وخلال العقود الأربعة الأخيرة من هذه الحقبة دخل العراق في سلسلة حروب عبثية ابتداء من الحرب الطويلة مع إيران ثم حرب تحرير الكويت ثم الحصار الذي دام اثنتي عشرة سنة ثم الاحتلال الأميركي. حيث ولد ونشأ خلال هذه العقود جيل جديد تربى على ما يسمعه من البيانات الحربية اليومية التي تبثها وسائل الإعلام وما يراه من رايات العزاء السوداء على سطوح المنازل..
وعلى الكم الهائل من الشعر والنثر والقصص عن الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن المنصرم الذي أسهم في صنعه مجموعة من حملة القلم مما سبب الكثير من القلق للمثقفين المقيمين في المنفى على مستقبل الثقافة العراقية.
إلا أن التغيير الذي حصل بالعراق منذ عام 2003 وضع جميع تناقضات المجتمع العراقي التي كانت متوارية تحت ستارات مختلفة على طاولة التصفيات المباشرة بين الفرقاء في حقبة حكومات ضعيفة لم تقصر هي الأخرى في ممارسة عنفها في قمع التظاهرات والتجمعات.
العنف في العراق لا ينفصل عن الشلل الذي أصيب به الوعي الوطني، فقد خرجت معظم النخب السياسية عن بطرياركية الوطن بوسائل العرق أو المذهب أو المنطقة، فليس في العديد من نخبنا السياسية من لايزال يبحث عن الفضائل التي تجذرت مع قيم الولاء للوطن وينذر القرابين ولا يستثني نفسه من تقديمها دفاعاً عنها كما كنا نشهد في الماضي في مدن العراق المختلفة.
ليس من السهل القضاء على العنف في العراق دون وجود حكومة قوية تفرض السلم والأمن وتنهي التدخل الخارجي وتقوم بالإصلاحات الدستورية وترفع الحيف عن الشرائح المتضررة وتقضي على الفساد جنباً إلى جنب جهد استثنائي يبذله ذوو الرؤية والفكر والثقافة لخلخلة وتفكيك مفاصل ثقافة العنف المشوهة التي ورثناها.