
يكون التفاهم شبه مستحيل فتطول فترة الألم والمعاناة بصمت حتى يدمى القلب وتخور القوى فيلحظ الجميع وتستنجد القوارير بمن يرفق بالحال فطريق الحياة الزوجية تملأه العراقيل ولا تؤدي السبل إلا لطريق مسدود فيقع الطلاق.
«أحبك جداً .. وأعرف منذ البداية ..بأني سأفشل وأنيّ خلال فصول الرواية سأُقتل – نزار قباني».
ينتهي الحب بعد صراع يملأه الحزن والأسى فيكون الطلاق هو الحل الأمثل لدى الطرفين ومن يكون الضحية في هذه الدوامة المريرة الطفل الذي ليس له أي دخل في تدهور هذه العلاقة.
لا أود أن أكون سلبية جراء ما يحصل في وقتنا الحالي ولستُ أُلقي بأصابع الاتهام على أحد الزوجين ولكن نسب الطلاق تتعدى الحد المعقول ويزيد الأمر سوءاً إذا كان بين الزوجين أبناء. ليس لدي أدنى شك بذلك وصحيح أن البعض يتسرع في اتخاذ هذا القرار ولكن بعض العلاقات أشبه بالإصابة بـ«الغرغرينا» ولابد من البتر لتستمرّ الحياة بشكل طبيعي.
معاناة قضية الطلاق تشمل الجميع ولكن المتضرر الأكبر هو الطفل ومن ثم الأم فكونها منبع الحب يحتم عليها احتواء أغلب الأضرار فأحيانا تقع بعض المهام الصعبة على كاهلها فهي المربية والمدرِّسة والمديرة والطفلة. ولا يجدر تعميم فكرة أن كل أم تتصف بالمثالية فبعض الأمهات لا تكترث إلا بنفسها فترمي حالة الأبناء النفسية عرض الحائط لتنعم بالاستقرار الداخلي فأحياناً لا يوجد سبب وجيه للانفصال.
والبعض الآخر يكون الطلاق هو الحل الأنسب والمفر الوحيد من الجروح إن كانت ترغب في تربية الأبناء في بيئة صحية خالية من المشاكل والمنغصات.
الانفصال ومن ثم الطلاق. هل هو القرار السليم لهذه الأسرة؟ سؤال قد يسأله الكثير ومنهم الأبناء الذين لا يعرفون الأسباب التي تجعل الأب والأم يسلكون هذا المسار الذي هو أشبه بالإبحار في حقل الألغام. ويزداد الأمر سوءاً حين يبدأ كل من الأقارب والأصدقاء بأعطاء النصائح المتتالية بأخذ دور المحللين النفسيين فيتم نصح الزوجين تباعاً بالصبر والبقية من الأغراب يأتون بالأم يمنة ويسرى لتتراجع عن اتخاذ هذا القرار وكأنها تمشي في حلقة مبهمة غير منتهية.
مما يؤسف له أن آثار الطلاق على الأبناء لا تؤخذ في الحسبان أحياناً فيبدأ الجميع بذكر عيوب الأب أو الأم أمام الأبناء للانتقاص من قدر كل منهم أو يبدأوا باستجواب الأبناء بعد كل زيارة للأب أو الأم وكأنهم ورقة يلعبون بها. يكفيهم ما يمرون به، فلِمَ يتم استغلالهم في مخططات الانتقام أو نقل الكلام؟.
في الواقع أن أثر انفصال الوالدين صعب جداً على الطفل مهما بلغ عمره، خصوصاً إذا كان هنالك كثير من الخلافات خلال الفترة التي تسبق الطلاق بين الوالدين. أظن لو بعض قضايا الطلاق تنتهي بسهولة لما تكونت هذه الصراعات المريرة..
فبالرغم من أن المحاكم تهتم بالطفل وتعتبره الركيزة الأساسية في قضايا الطلاق إلا أنها تحول بعض القضايا إلى مسلسل تركي طويل لا ينتهي وهذا ما يزيد الحقد والغبنة بين الطرفين. لكن كيف يتم الانتقال من دور الزوجية إلى دور الأبوة والأمومة من غير أن يتأثر الأبناء؟ يجب أن يستوعب كلا الطرفين أن مهما طال العمر أو قصر فهما يتشاركان معاً في تربية هذا الطفل، فلِمَ العراك وتحويل قضية الطلاق إلى جحيم لا يطاق.
يجب على الأم والأب الحرص على أن تبقى المودة بين الأبناء والوالدين وأن لا يكونا سبباً في البعد وزحزحة المودة والألفة بينهم فهم محاسبون عند الله تعالى.
هذا كلام يعلمه الآباء جيداً وتنهله الأمهات باستمرار من الأغراب والأهل والمختصين والزمن كفيل أن يلمّ شتات نبع الحنان. فكفاح الأم يبدأ من اليوم الأول الذي يقوم فيه الأبناء بزيارة والدهم بشكل منتظم، تجلس الأم وحيدة مع نفسها فيأخذها التفكير ويحلق بها إلى عالم آخر ويحط بها في مكان مظلم تشعر فيه الأم بكآبة وحزن بسبب خوفها على أبنائها وكأن جزءاً منها قد سلب. فيبدأ الحوار مع الذات:
حديث الذات: لم الحزن فهو والدهم أيضا وسيحبهم بقدر ما تحبينهم. الأم: ولكن «كيف سيكون حال البنات من دون أب يرينه يومياً؟ كيف سأربي بناتي؟ حديث الذات: كوني على يقين إنك وسيلة سخرها الله لهم وهو الحافظ فعليك ببذل الأسباب وتجنب الإفراط بالمسؤوليات والقلق، فالله معك.
تتعدد المشكلات وتتشعب الآلام خصوصاً إذا قام الآباء بالانتقام باستخدام الأبناء كوسيلة سهلة لتحقيق هدف تعاسة الطرف الآخر غير متيقنين أنها الوسيلة الأسرع لتدمير كيان وشخصية هذا الطفل. لا يوجد طفل لن يتأثر بانفصال الوالدين.
حقيقة قد يغفل عنها البعض أنه لا يوجد امرأة أو رجل يشعر بسعادة عارمة من فكرة الطلاق، فهذه حياة كانت مبنية على حب وآمال وأحلام تنهدم أمامهم تدريجياً فيبدأ كل منهم برسم حياة جديدة لأبنائهم وطرق لتخطي العراقيل والعقبات التي سيتم مواجهتها حتى آخر يوم في حياتهم.
في نهاية العلاقة الزوجية ترتطم أحلام الأزواج بواقع أليم وهو الطلاق الذي يشكل جرحاً غائراً في الفؤاد لا يبرأ بسهولة.