بينما صم النظام المصري وأركانه آذانهم عن تفاعلات ما قبل 25 يناير 2011، وغضوا أبصارهم عن مخاطرها، كانت هناك تحذيرات مبكرة من أطراف خارجية أحسنت قراءة الموقف في ضوء تطورات الثورة التونسية.
ولنتأمل على سبيل المثال ما قاله آنذاك أحد السياسيين الأوروبيين المخضرمين في هذا الشأن وهو «رومانو برودي» في مقال بصحيفة « ال ماسيجيرو» الإيطالية، حيث حذر رئيس الوزراء الإيطالي السابق برودي من أن مصر تمر بلحظات سياسية حرجة وهشة للغاية تجعل الأنظار تتحول إليها بعد أحداث تونس.
وأوضح برودي- رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق- أن مصر شهدت توترات اجتماعية كبيرة خلال أزمة الغذاء (العالمية)، ما اضطر الحكومة إلى تخصيص مبالغ هائلة من أجل دعم رغيف الخبز وكان من حسن الحظ- على حد قوله- أن الأزمة لم تستمر كثيراً، لكن وبالرغم من النمو الاقتصادي الذي حققته مصر مؤخراً- كما كان الحال في تونس- فإنها تمر بمرحلة عصيبة للغاية بسبب نسبة البطالة المرتفعة إلى جانب ارتفاع سعر الخبز.
وحذر برودي من خطورة الوضع في البلاد، وما سيكون عليه الحال إذا تكررت تجربة تونس بها، حيث إن التعداد السكاني في مصر يبلغ نحو 90 مليوناً أي تسعة أضعاف تعداد تونس، فضلاً عن وجود تيار أصولي كبير بها، وأشار برودي إلى أن انفصال جنوب السودان سيلقى بظلال ثقيلة على الوضع العام في مصر، حيث إن من شأن إعلان دولة جديدة بالجنوب إعادة توزيع مياه النيل، ما سيفتح جبهة قتالية جديدة أمام رغيف العيش المصري.
في الداخل المصري أيضاً كانت هناك وجهة نظر تناصر برودي من حيث استيعاب خطورة الموقف في ضوء الأوضاع الداخلية الملتهبة ولاستشعار الكثيرين للنيران الكامنة تحت الرماد باستثناء- كما سبق الذكر- كوادر الحزب الوطني السياسية والإعلامية والفكرية، التي كانت توقعاتهم وتحليلاتهم سبباً في استكانة النظام السابق إلى مقولة، إن مصر ليست تونس وأنها ليست عرضة لأي ثورات جديدة وبالتالي عدم اتخاذ أي خطوات جادة تحول دون تفجر الموقف.
والحقيقة لم تكن تلك المرة الوحيدة التي يتبنى فيها هؤلاء مثل هذا الموقف الكارثي في التحليل والتوجيه، فخلال الأزمة وتفجر الأحداث منذ يوم الخامس والعشرين من يناير تبنت المجموعة السياسية نفسها والحزبية والإعلامية المرتبطة بالحزب الوطني الديمقراطي منهجاً تحليلياً خاطئاً أدى إلى استفزاز الشعب المصري استفزازاً شديداً.
وذلك عندما تعامل مع الأحداث باعتبارها «هوجة وتعدياً»، ولم يكن ذلك سوى جزء من حالات الاستفزاز الإعلامي والسياسي والأمني والاجتماعي، التي يمكن رصدها على مستويين قبل تفجر الأحداث في الخامس والعشرين من يناير وبعد تفاقمها اعتباراً من هذا اليوم.
وبالنسبة للاستفزاز السياسي لم تتوقف مشاهده حتى مع تفاقم الأزمة ونعلم جميعاً كم كانت عوامل الاستفزاز قد استفحلت إلى درجات غير مسبوقة أدت في نهاية المطاف إلى انطلاق كميات هائلة من البخار المكتوم بعد درجات غليان شعبية تجاوزت بالتأكيد مئات الدرجات المئوية.
رغم أن درجة الغليان هي مئة درجة مئوية فقط، ولكن المشهد السياسي كان قد تجاوزها بكثير من دون أن يحاول النظام السياسي احتواء هذا الخطر، بل مارس كل ما من شأنه تصعيد التوتر والوصول به إلى درجة الثورة الأخيرة.
ويكفيه تجاهله للتطلعات الشعبية وللانتقادات الحادة التي لاحقت الحزب الحاكم وحكومته وسط مظاهر فشل واضحة داخلياً وخارجياً، ولتكن البداية في رحلة التدليل على ذلك انطلاقاً من المشهد الأخير الذي نظن أنه لعب دوراً خطراً في التعجيل برحيل النظام والمقصود بهذا المشهد هو الانتخابات البرلمانية التي أجريت في خريف عام 2010 .
وقد أثارت موجة عارمة من الاحتجاجات والاعتراضات الداخلية والخارجية لما شابها من عمليات تزوير وتجاوزات فادحة وفاضحة وربما غير مسبوقة في تاريخ مصر، وتكاد تكون «نكتة» سياسية عبر كل التاريخ السياسي في العالم.
وربما أيضاً تكون الانتخابات الأولى التي يحكم القضاء ببطلانها قبل أن تنطلق بسبب الطبيعة الاستئصالية التي غلبت عليها في المنبع قبل أن يصل الفجر السياسي ذروته بعملية استبعاد غير مسبوقة عند المصب للمعارضين وغير المرغوب في وجودهم داخل البرلمان، الذي انطلقت في جلسته الافتتاحية الكلمة الشهيرة .
وربما الخالدة للرئيس حسني مبارك «خليهم يتسلوا» في رده على سؤال حول البرلمان الشعبي الذي شكله النواب المستأصلون في الانتخابات، وزادت هذه الكلمات من حالة الإحساس بالمهانة لدى كل المصريين.
بلغ الفجر السياسي مداه مرة أخرى عندما طالبوا كل من لديه دليل أو مستند على تزوير الانتخابات أن يتقدم به ،متجاهلين أن النتائج النهائية للانتخابات هي في حد ذاتها أكبر دليل على تزويرها.(وللحديث بقية).