بيان تنويري أول

ت + ت - الحجم الطبيعي

تفتقر جل مواجهاتنا مع الإرهاب الذي ساد مجتمعاتنا، وسد الآفاق أمام تطورنا الحضاري، إلى مبدأ نظري حاكم، يصعب على البعض الإفصاح عنه لأنه ينال من سلطتهم على الجماهير الواسعة، كما يصعب على رجال الفكر التصريح به نفاقاً لهذه الجماهير نفسها.

هذا المبدأ هو ما كان المسيح، عليه السلام، قد أشار إليه: السبت لأجل الإنسان، وليس الإنسان لأجل السبت. والسبت هنا هو الدين، بحسب الموروث اليهودي الذي يندرج المسيح في سياقه.

غير أن المسيح قد غاب من دون أن تنتصر المسيحية، فما انتصر بعده كان هو الإيمان البولسي (نسبة إلى الرسول بولس)، ومعه انتصرت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وما تفرع عنها من كنائس قريبة منها أو بعيدة عنها.

فانهزم الإنسان شر هزيمة أمام ضربات سيف الكهانة التي تاجرت بصكوك الغفران، حتى كان الإصلاح الديني، فبدأ المسيحي الأوروبي مسيرة تحرره من ربقة البطريركية القامعة، وعبر سيرورة ممتدة تغذت على المذهب الإنساني، وفلسفات التنوير، واكتملت بنضج الحداثة.

هذا المبدأ تكشف عنه أيضاً الرؤية القرآنية للوجود، فالإنسان في الإسلام قبل الدين، والله ليس هو الدين، بل رب الدين الذي خلق الإنسان، واستخلفه في أرضه، ومنحه الدين عطية روحية ترشده إلى الطريق القويم الذي بنهايته تتحقق الخلافة الحضارية على الأرض، حيث التمدن والتحرر، والتقدم، مع الإيمان، وليس الخلافة السياسية على الطريقة التقليدية الأموية أو العباسية أو العثمانية.

أو على الطريقة الداعشية، حيث العبث والهمجية يجعلان من روح الإنسان السامية مجرد قربان يتوجب التضحية به على مذبح إمارة جاهلة، والخضوع الإنساني ليس للدين، ولا للناطقين باسمه، بل لله الخالق.

هذا المبدأ، وللأسف، هزم مراراً، عندما هزم الإنسان، وقدمت دماؤه على مذبح أولي الأمر من كل حدب وصوب، إذ هزم المسلم أمام تحالف الفقيه مع السلطان، وصعدت الدول على أسنة المذاهب، وتأسست المذاهب على رماح الدول.

الإنسان امام بعض المذاهب التي ضيقت على عقله الخناق فتعطل، وفرضت على إرادته القيود فعجز، إذ تحول الإيمان الرحب إلى كهف كئيب، بل انبرى بعض الفقهاء الكبار من بعض تابعي الأئمة الأولين، أصحاب المذاهب المعتبرين، بعد عقود أو حتى قرون من رحيلهم إلى إعادة تفسير مذاهبهم، ليضيفوا إلى الضيق تضييقاً، ويزيدوا على ظلمة الكهف إظلاماً، فإذا بالعقل يموت بعد ذبول، والحرية تذبل بعد أفول، فما الذي يبقى للإنسان، بعد العقل والحرية.. لقد مات الإنسان.

عندما يُقتل طفل بلا ذنب جناه، أو يُباع رقيقاً في سوق النخاسة باسم الجهاد في سبيل الله.. عندما تُغتصب امرأة لأن الذئب لم يرع فيها الله، أو تُسبى لأن مذهبها يغاير مذهب المجرم الذي اعتلاها دون خشية من حرام أو خوف من الله..

عندما يقتل شيخ كبير بسيف شاب صغير بدلاً من أن يرعاه ويحمي شيخوخته، بدلاً من أن يقبل يده لأنه رباه وربى أباه، ففي الإسلام الحق كل شيخ هو أب، وجد، فإن لم يكن لك فلأخ لك لم تلده أمك، ليس فقط في الطائفة، ولا بالضرورة في المذهب، ولا في الدين حتماً، بل أخ لك في الله، وفي الإنسانية، فدين الله واحد يقتضي الإيمان، وكل إيمان هو إسلام.

أهدرنا، زوراً وبهتاناً، معنى الخلافة الحضارية على كل صنوف الخلافات السياسية، والصراعات الدنيوية التي بلا غاية سوى تبادل السلطة والقهر. وبددنا كل طاقات الحب لدينا على كهوف الكراهية، فلم يعد الإيمان رحمة ولا الدين رأفة، بل صار كلاهما سيفاً على رقبة الآخرين، كل المخالفين في المذهب والطائفة وليس فقط في الدين.

لم نحفظ عهده إلينا برعاية الطبيعة وصون الحياة، حينما أخذنا ندمر كل شيء لغيرنا لأنه فقط ليس بملكنا، وهو في الحقيقة ملك الله..

كل شجرة تُقلع، وكل جسر يُدمر، وكل بناء يُهدر، هو ملك الله، فالزرع هنا والبناء هناك، ومد الجسور بينهما هو عمل من أعمال الله، هو مطلب من مطالب الشرع، هو بند في عهد الاستخلاف الذي منحنا إياه الله، فلو لم يرد لنا أن نبني ونعمر، أن نزرع ونصنع، ما أرسلنا إلى الأرض، وما منحنا ذلك العهد..

 لا أعطانا العقل المسؤول، ولا الوحي الرائق، فكلاهما لغة بها نعرفه، وبها نخاطبه، بها نعبده وبها نستعينه في أداء رسالتنا الكبرى التي لأجلها خلقنا.. رسالة العمران التي تقع في موضع القلب من كل إيمان، ولهذا كانت قبل الأديان، وكانت الأديان للإنسان وليس الإنسان للأديان.

 

طباعة Email