بكينا بما فيه الكفاية، وانتحبنا حتى تقطعت أنفاسنا، واستعدنا بيت المتنبي «عيد بأية حال عدت يا عيد» حتى ملّ أبوالطيب نفسه بيته، وتمنى لو أنه لم يقله. هذا هو حالنا منذ أن قال شاعرنا الكبير بيته الشهير قبل أكثر من عشرة قرون، وقبل أن يقوله، وهذا هو حالنا اليوم ونحن نستقبل كل عيد، أو نبدأ كل عام جديد، فإلى متى يمكن أن تستمر هذه البكائية، ومتى يتوقف هذا النواح؟
تعوّدنا أن نستقبل كل عام جديد بجرد لأحداث العام الذي سبقه. هذا الجرد غالباً ما يحمل لنا الحزن والكآبة، ويفسد علينا فرحتنا بالقادم الجديد، فنحن عادة ما نستذكر الأحداث الحزينة والمآسي، ربما لأنها الطاغية، وربما لأننا جيل لم يعش سوى الخيبات والنكبات.
ولكن هل يجب علينا أن نلغي الفرح، وأن نفقد القدرة على الأمل والنظر إلى الحياة بمنظار خالٍ من السواد الذي طغى على صناعة المناظير في أوطاننا العربية، ولطخها بالدماء، وحولها إلى مناظير معتمة لا نستطيع أن نرى من خلالها، وإذا رأينا لم نشاهد إلا الحرائق والدخان.
وجثث الضحايا الذين يتساقطون كل يوم لتروي دماؤهم بذور الحقد والكراهية في كثير من أوطاننا العربية التي قامت عليها حضارات، وازدهرت فيها دول وممالك كانت ذات يوم منارات ومصادر إشعاع، ليس للعرب فقط، وإنما للإنسانية جمعاء، فأي أمل بعد هذا يمكن أن يلوح وسط كل هذا الظلام الذي يغلفنا، وبين كل هذا الركام الذي نشاهده حولنا؟ ربما يبدو هذا السؤال منطقياً.
وتغدو هذه النظرة واقعية عندما يصدران من شخص يعيش هذا الواقع، ينام ويصحو على أخبار القصف والقتل والذبح والتهجير، ويرى صور مخيمات اللاجئين تزدهر في وطننا العربي أكثر من المدن، تزورها قوافل الهلال والصليب الأحمرين والمؤسسات والجمعيات الخيرية أكثر مما تزور أفواجُ السياح الأماكن الأثرية والمعالم السياحية التي تزخر بها دولنا العربية.
لكن هذا لا يجعلنا نفقد الأمل تماماً، فما زال ثمة مصادر ضوء في وطننا العربي، ترسل إشارات تقول إن اليأس مرفوض في منطق الأمم والشعوب التي قد تمرض لكنها لا تموت.
وفي التاريخ شواهد لدول تعرضت لنكبات وكبوات، لكنها استطاعت أن تنهض من جديد لتصبح ملء سمع الدنيا وبصرها، وتغدو مراكز إشعاع علمي وحضاري واقتصادي تنافس الدول العظمى التي كانت ذات يوم تحتلها، وثمة دول انطلقت من مراكز متأخرة لتصبح في المقدمة، يسعى الآخرون إلى تقليدها والاقتباس منها، ويتمنون أن يلحقوا بها.
ليس من باب التباهي القول إن دولة الإمارات العربية المتحدة تمثل اليوم نقطة ضوء وسط هذا الظلام الذي يغلف بلداننا العربية بمستويات مختلفة، رغم أنه يحق لنا أن نتباهى بها ونفخر. وليس من باب الغرور القول إنها أصبحت نموذجاً للدولة التي يتمتع المواطن والمقيم فيها بالتقدير والاحترام، حيث تتوفر له أسباب العيش الكريم، وينعم بالأمن والأمان اللذين تفتقدهما الكثير من الدول.
وهي مزايا لا يمكن أن تتحقق لأي بلد إلا إذا توفرت له قيادة حكيمة ذات نظرة ثاقبة، تعيش الحاضر بإيجابية، وتتطلع إلى المستقبل بأمل وطموح وثقة، ودون أن يتوفر لها شعب يثق في قيادته ويلتف حولها، يشاركها الطموح وعدم الاكتفاء بما تحقق، ويسعى إلى الأفضل دائماً.
هذا هو ما يحدث على أرض دولة الإمارات، ليبث إلى الجميع رسائل تقول إن الأمن والاستقرار والرفاهية كلها أمور ممكنة، ولكن بالشروط التي تتوفر على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة.
لا نقول هذا من فراغ، وإنما من واقع الأرقام والإحصاءات التي تضع دولة الإمارات ومدنها دائماً من بين أفضل المدن في العالم، فمع مطلع عام 2015 حلت دبي ضمن قائمة المدن العشر الأكثر سعادة في العالم، حسب تصنيف مجلة «ناشيونال جيوغرافيك»، بالطرق الراقية وخطوط المترو الحديثة، والفندق الوحيد في العالم من فئة «سبع نجوم» الموجود فيها.
إلى جانب برج خليفة أعلى مبنى في العالم، والشواطئ الرملية البيضاء، والتعليم والسكن المجاني الذي توفره لمواطنيها. كما جاءت الخامسة عالمياً في استقطاب الزوار من كل أنحاء العالم باستضافتها 12 مليون سائح هذا العام.
وتحدت دبي نفسها عندما كسرت الرقم القياسي الذي سجلته العام الماضي في موسوعة «غينيس» لأكبر عرض على الإطلاق لألعاب نارية، بتسجيل رقم جديد هو 1.5 مليون شخص شهدوا عرضاً ضوئياً كان هو الأروع من بين كل العروض التي نقلتها لنا شاشات التلفزيون من مختلف مدن العالم هذا العام، حيث تحول «برج خليفة» إلى أكبر شاشة مضيئة في العالم، وحولت الألعاب النارية وإشعاعات الليزر سماء دبي إلى نهار، عندما كان عقربا الساعة يتعانقان معلنين انتهاء عام وبداية عام.
ربما ينظر البعض إلى هذه الاحتفالية على أنها ترف زائد، في زمن لا يحتمل مثل هذا الترف، غير مدركين أن الرسالة التي تبعثها دولة الإمارات عبر هذه الفعاليات وأمثالها أبعد من مجرد الاحتفالية نفسها، فهي تريد أن تقول إن الفرح ممكن رغم كل المآسي التي نعيشها.
وتريد أن تقدم النموذج الذي يفتح طاقة الأمل للدول والمدن العربية كي تكون جميلة ومتقدمة وعصرية، شريطة أن يركز قادتها ومواطنوها على العمل والإخلاص للوطن، كي يعيش الإنسان سعيداً وآمناً ومتفائلاً، بعيداً عن البكائيات التي هزمته من الداخل، قبل أن تهزمه الجيوش والميليشيات والجماعات التي تتصارع على اقتسام الأوطان، وتقتل الفرح داخل الإنسان.