يذكرنا هذا العنوان بكتاب يحمل العنوان نفسه للمفكر الراحل قسطنطين زريق، وهو كتاب يرصد معنى التاريخ ومناهج علم التاريخ، والموقف من التاريخ، إلخ... لكننا في مقالنا هذا ننحو نحواً مختلفاً. فلن نطرح كيف يجب أن نقرأ التاريخ، وماذا يقدم لنا التاريخ، وما هي الفائدة من التاريخ.
بل سنطرح على أنفسنا سؤالاً هو:
لماذا نحن مثقلون بالتاريخ إلى الحد الذي لشدة ثقله على ظهورنا نعجز عن السير بل ولا نستطيع أن نحبو؟!
دعوني بداية أتوقف عند نحن وعند التاريخ، فمن نحن؟ وما التاريخ؟ يشير ضمير الرفع المنفصل هذا إلى قوم من الناس هم العرب، والذين يعيشون في عصر الثورة التقنية والإلكترونية والمعرفية عموماً، ثورة غيرت من علاقة الإنسان بالحياة والطبيعة عبر تقدم عاصف جداً.
ولكنهم في العموم مازال وعيهم بالحياة ينتمي إلى عالم ما قبل هذه الثورة العاصفة. أما التاريخ فيفهم منه الأحداث والوقائع التي تمت في الماضي بكل ما تنطوي عليه من صراعات وإيجابيات وسلبيات وشخوص أساسية أو ثانوية، ولا تخلو أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب ولا جماعة من الجماعات من تاريخ خاص. لكن التاريخ من جهة ثانية سيرورة وتغير وتجديد.
عندي إن علاقتنا نحن بتاريخنا علاقة تنسينا الجانب الآخر من التاريخ ألا وهو السيرورة والتغير. ويبدو لي أن هناك أسباباً أساسية حالت دون تحررنا من أسر التاريخ واستمراره عامل صراع وعامل تأخر.
أولاً إن الحنين للماضي الذي لم نعشه حالة غريبه، لكنه نوع من النكوص المرضي بسبب وجود عوائق بنيوية موضوعية وذاتية تحول دون تحقيق الحد الأدنى، في كثير من الدول العربية، من الرضا بالحياة المعيشية، ولا يجدون في عالمهم ما يغريهم بالفرح به. فيولون وجههم شطر ماض تلقنوه عبر عملية انتقائية ولم يشهدوه.
إذ تختزن ذاكرتهم عالماً جميلاً قد تحقق بفضل رسالة سماوية صالحة لكل زمان ومكان. وبالتالي فإن الأمل معقود لديهم في إعادة استعادة التاريخ واقعياً، أي جعله هدفاً مستقبلياً، وهنا تكمن المفارقة العجيبة، مفارقة أن المستقبل موجود في الماضي وليس في عالم اليوم، في التاريخ الذي كان وليس في الآتي.
يحيلنا الركود التاريخي إلى الاحتفاظ بصراعات الأمس السحيق وجعلها حاضرة كصراعات حدثت للتو. فيصبح ابن الحاضر مسؤولاً عن تاريخ جرى.
ويظهر موقف طريف في أحسن الأحوال يسأل أصحابه بكل طيبة قلب ما الذي يجب علينا أن نحتفظ به من التاريخ وما لا يجب؟ دون أن يدري أصحاب هذا الموقف أن ما يبقى من التاريخ وما لا يبقى أمر ليس متعلقاً بإرادة الأفراد.
دعونا نطرح التاريخ من زاوية أخرى مختلفة، فالمولعون بالتاريخ هم بالأصل مولعون بالتاريخ السياسي - الأيديولوجي فقط. فيما التاريخ ليس هذا فحسب إنه تاريخ المعرفة والتقنية والعلوم والآداب والتربية ونمط الحياة.
فلو أخذنا تاريخ الطب العربي وقارناه بحاضر علم الطب الراهن فليس هناك من عاقل يرى إن طب ابن سينا يساوي جهاز القسطرة القلبية الراهن لقد كان ابن سينا، وكان فعل ماضي ناقص، ولو تأملنا تاريخ المواصلات منذ القرن الألف العاشر للميلاد وحتى القرن التاسع عشر فإنه لا يساوي شيئاً أمام الآلة البخارية التي أسست للقطار فما بالك بالسيارة والطيارة النفاثة.
وقس على ذلك. من ذا الذي باستطاعته أن يقارن أعظم مدينة في تاريخ المدن القديمة بمدينة كمدينة دبي من حيث عمارتها وجسورها وذكائها ومؤسساتها، وقس على ذلك صعد التاريخ الأخرى. إذاً نحن، وأقصد نحن العرب، علينا أن ننتمي إلى التاريخ كسيرورة وليس كماضٍ. وهذا يتطلب وعياً جديداً بالمستقبل بوصفه أعلى درجات التقدم التاريخي.
لو سألت أولئك الذين يختلفون حول التاريخ ما الذي سيجنيه اختلافكم من إيجابيات؟ لا شيء على الإطلاق. ما الذي يضيفه الصراع على التاريخ الماضي إلى تقدمنا؟ لا شيء على الإطلاق. على العرب أن يسألوا أنفسهم، إذا كانوا يحبون تجربتهم التاريخية، كيف نصنع تاريخنا الجديد وليس كيف نعيد تاريخاً قديماً.
كيف نصنع تاريخاً من وحي حاجات الإنسان المعاصر والراهن وليس من وحي حاجات إنسان قديم؟ كيف لنا أن نغذ السير إلى الأمام متخففين من أثقال وأسمال التاريخ كي نستطيع اللحاق بروح العصر ومنجزاته. صحيح إن هذه الأسئلة ذات طابع فكري ولكنها في حقيقتها ذات جانب سياسي أيضاً.
ولعمري إن من يرى في قولنا خطراً على الهوية يكون هو الخطر بذاته، لأن أخطر ما تتعرض إليه الهوية هو أن تظل راكدة غير متجددة.