شئت أم أبيت تبدأ سنة جديدة من العمر. عمرك ، عمر الكون ، عمر الحرب وعمر الزمن. لم أقل عمر الحب عمداً، لم أنس، على الأقل لزوم السجع ولضرورة التضاد مع الحرب. فلم يعد ثمة حب يكفي البشر على الأرض وبخاصة أرضنا العربية التي يستباح فيها الإنسان بابشع أدوات القتل ويتحول فيها بشر إلى وحوش تذبح بشراً بدم بارد ويسود قانون الغاب في الشوارع وبين البنايات التي يفترض أنها أبعدتنا آلاف السنين عن الغابة وعن تلك المغارة التي ولد فيها المسيح سيدنا عيسى عليه السلام، المغارة القريبة من القدس والتي منها انتشر نور المحبة في كافة أرجاء الأرض.
اليوم تمر ألفان وخمس عشرة سنة على ذاك اليوم الذي ولدت فيه سيدتنا مريم البتول سيدنا عيسى بمعجزة إلهية « فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً، قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً، قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً »، و «فأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً، فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً».
في الأرض التي ولد فيها عيسى ابن مريم ثمة يهود يكررون ما فعل أجدادهم بالمسيح وبأحفاد المسيح وأحفاد محمد، هناك في ساحة كنيسة المهد وباحات المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. هناك يبنون من حجارة أساطيرهم مستعمرات وجدران وقلاع، ويقيمون لاعيادهم احتفالات تلمودية لكن رغم الاعتقالات وآلات التعذيب وويلات الآلام يكبر المؤذن للصلوات في الأقصى ويمشي المسيحيون في طريق الآلام ، يقرعون أجراس الكنائس ويصلون في ليلة الميلاد لرسول المحبة والسلام .
تلك الأرض مقدسة رغم أيديهم المدنسة بدماء الأطفال الأبرياء منذ دير ياسين وقبية، منذ بحر البقر وقانا والمذابح التي تلتها مذابح. في ليلة الميلاد دُقت أجراس الكنائس في مدينة المهد، بيت لحم، مؤذنة أن شعبها، يرفض الاحتلال ويعمل من أجل الحرية، ويتطلع إلى السلام العادل، الرافض للخنوع والاستسلام، المتمسك بوطنه الذي لا وطن له سواه مهما تغيرت الأحوال واستبد الواقع وتأخر يوم الخلاص.
باقون هم على أرض بلادهم، وأولئك الذين مازالوا في مخيمات النفي والشتات خارج وطنهم مازالت مفاتيح بيوتهم وكواشين أرضهم مخبأة في صدورهم ومطلب العودة ظاهر للعيان على وجوههم وفي البال .
لا يفرق الصهاينة بين مسلم ومسيحي على الأرض الفلسطينية، من ليس يهودياً صهيونياً فهو من «الأغيار» الذين يجب استعبادهم، وإن رفضوا فإبعادهم عن «أرض إسرائيل! » ، وإن قاوموا الاحتلال والإبعاد بحجر أو سكين يحل قتلهم . تلكم هي عقيدة الاحتلال.
إن في احتفال الفلسطينيين بيوم ميلاد المسيح رسالة يوجهونها إلى العالم، إنهم دعاة سلام، ورثة الرسول المخلص للبشرية من الآلام والآثام، وأنهم باقون في أرض السلام والإسلام رغم البطش والتضييق والتمييز العنصري. فهذا الناصري الذي بُعث رسولاً مخلصاً للبشر من الاحقاد والاستعباد والاستغلال... منهم وأول شهدائهم على يد أعداء الله.
لكن العالم الذي سحرته سالومي وأوقع به شايلوك وبن غوريون وشارون وشامير وشاحاك لا يسمع صرخات المحتلة أرضهم وحريتهم وسيادته ولا يريد أن يتحرر من عقدة النازية التي روجت هولوكوستها الآلة الإعلامية الصهيونية.
رسالة الفلسطينيين في عيد الميلاد أنهم ضد التطرف بل هم ضحية للتطرف الصهيوني المعادي للإنسانية. إنهم ضد تطرف القاعدة وداعش واليمين الاميركي الخاضع للصهيونية، وهم مع السلام القائم على العدل واحترام الإنسان. ليذهب عام 2014 إلى الجحيم الذي أشعله في وطننا العربي، نتمنى أن يكون 2015 عام صحوة عربية يعود فيها العرب إلى عروبتهم وقهوتهم المرة ونكهة الهيل في نفوسهم وإلى تمر نخيلهم إن اقتضى الأمر !!