عراق ما بعد التاسع من أبريل 2003 يعاني من أمراض خطيرة. فهو بعد مرور إثني عشر عاما على التغيير منتهك السيادة ممزق الأوصال مهدد بالإفلاس ويواجه صعوبات كبيرة لإصلاح حاله رغم ثرائه المادي والبشري. الخلل يكمن بشكل لا يقبل اللبس في الأسس التي بنيت عليها العملية السياسية والتي سمحت بميلاد تنظيم داعش. فما هي فرص إصلاح حاله ونهوضه لمواجهة هذا التنظيم وهزيمته في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها؟.
سيكون على العراق مواجهة استحقاقات عديدة بعضها على المستوى الدولي كون التصدي لهذا التنظيم يتم بتحالف دولي يلعب الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة دورا قياديا فيه، وبعضها الآخر إقليمي يترتب على إعادة علاقات العراق بجيرانه العرب الذين يقفون بجانبه في مواجهة هذا التنظيم، هذا إلى جانب الكثير الكثير من الاستحقاقات المحلية على مستويات مختلفة دستورية وسياسية وإدارية.
إذ سيجد رئيس الوزراء أن عليه أن يأخذ بنظر الاعتبار جميع ما تجاهل وجوده وأهمل تبعاته سلفه المالكي خلال ثماني سنوات من حكمه وهو الآخرون الذين هُمشوا وبضمنهم حلفاؤه، وهذا في الحقيقة مفتاح الحل لجميع القضايا الأخرى لأن بقاء العراق موحدا قادرا على مواجهة هذا التنظيم يتطلب على من بيده مقاليد السلطة التنفيذية أن يكون عراقيا في انتمائه توحيديا في عقيدته ليبراليا في أسلوب ممارسة مهام وظيفته.
فهل باستطاعة الدكتور العبادي وحكومته المثقلة بالأعباء مواجهة هذه الاستحقاقات أو بالأحرى هل لديه خيارات غيرها؟ وهل سيجد دعما حقيقيا من القوى المشاركة في العملية السياسية؟.
ليس لدى العبادي خيارات غير الخيار الوطني لمواجهة تنظيم داعش فما اتخذه من قرارات خلال المائة يوم منذ تسلمه مقاليد السلطة يبعث على التفاؤل إلا أن من المشكوك به أن يجد الدعم الضروري من الآخرين. ما نقوله ليس محض تكهن بل قراءة تفسر المشهد السياسي الحالي في العراق فبعض الأحداث تفرض نفسها أكثر من غيرها على مسارات الوضع السياسي.
أول هذه الأحداث هو مؤتمر أربيل الذي عقده سنة العراق في الثامن عشر من ديسمبر المنصرم تحت شعار «المؤتمر العربي لمكافحة الإرهاب» ليبعثوا من خلاله إلى التحالف الدولي الذي يقود الحرب على داعش وإلى فرقائهم في العملية السياسية رسالة مفادها أنهم كتلة موحدة لها أهداف لا تتعارض مع سياسة مواجهة الإرهاب إلا أنهم لا يشاركون في صناعة القرار بما يتناسب مع حجمهم.
وثاني الأحداث هو سعي الكرد لتوظيف جهدهم العسكري في هزيمة داعش في بعض المناطق للحصول على أقصى درجات الاستفادة السياسية عن طريق ضم الأراضي التي يحررونها من سيطرة هذا التنظيم للحدود الجغرافية لإقليم كردستان وفرض ذلك كأمر واقع، وهو ما صرح به رئيس وزراء الإقليم نيجرفان البارزاني.
أما ثالث هذه الأحداث فهو قيام بعض النخب السياسية بإعادة فتح ملف الفيدرالية وإنشاء الأقاليم بطرائق توحي بأن فهمهم للفيدرالية يقتصر على مدى رؤيتهم لمصالح محافظتهم أو منطقتهم متناسين حقيقة أن مشروع الفيدرالية لا يستوي من غير برنامج كامل وتفاهمات معلنة وصريحة مع بقية مناطق العراق، فشرايين الحياة في العراق متشابكة بطرائق يصعب تجاهلها.
التفكك هو الظاهرة الأكثر وضوحا في العراق، فالمساعي لإضعاف المركز والاتجاه نحو المزيد من اللامركزية لصالح الأقاليم ومجالس المحافظات هي السمة المميزة لأجوائه السياسية.
فالحديث عن تأسيس الحرس الوطني وتوسيع قاعدة الحشد الشعبي وتسليح العشائر في المنطقة الغربية يعلو على الحديث عن إعادة بناء الجيش العراقي. والحديث عن الأقاليم ومظلومية المدن النفطية الغنية الذي بدأ يلقى مقبولية أكثر من ذي قبل يعلو على الحديث عن إعادة بناء الدولة العراقية على أسس مدنية حضارية.
والحديث عن دور المرجعيات الدينية في بناء العراق الجديد يعلو كثيرا على الحديث عن دور ذوي الرأي والفكر والثقافة. وعند التمعن في المسرح الذي تدور فيه هذه الأحاديث نجد أمامنا مشاهد محبطة لمعركة تدور حول تقاسم المغانم والمكاسب وأن من يدير هذه المعركة هم من دخلوا الساحة السياسية متسلحين بالعرق أو بالطائفة أو بالعشيرة أو بالمنطقة أي الشخوص التي تشكل على أياديها النظام السياسي الحالي.
لا تفسير لذلك سوى أن مسارات الأحداث في العراق وتداعياتها العقائدية ومن ثم السياسية أفرزت واقعا محبطا شجع النخب السياسية على العزوف عن مواجهة القضايا الوطنية الكبيرة أو بعبارة أخرى التهرب من مواجهتها باتجاه العمل نحو تعزيز المكانة الطائفية أو المناطقية.
فليست هناك رغبة حقيقية تتجاوز التصريحات الإعلامية الاستهلاكية للتخلص من الممارسات التي تعزز نزعات التمترس خلف شعارات الانتماءات الضيقة ، فمعالجة قضايا الوطن الكبرى تبدو أكبر من قدرات هذه النخب السياسية من جهة وأبعد ما تكون عن أجندتها أصلا من جهة أخرى.
الإبقاء على معادلات التوازن العرقي - الطائفي - المناطقي أصبح أمرا مفروغا منه فهناك طبقة سياسية استطاعت توظيف الانتماء بدل البرنامج السياسي وسيلة للصعود والبقاء في المواقع المتقدمة في الدولة لتصنع السياسات.
فالأجواء في العراق لا تزال تسمح بالتحشيد على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية أو محلية وهذا لن يكون الوسيلة التي تسمح للعراق بمواجهة تنظيم داعش بشكل فعال. فهذا التنظيم سوف يُهزم عسكريا لا محالة إلا أن عودته بشكل أو بآخر غير مستبعدة طالما بقيت معادلات المحاصصة قائمة.