السياسة الأميركية تجاه كوبا نموذج ممتاز لمقولة رئيس مجلس النواب الأمريكى السابق تيب أونيل بأن «السياسة الأمريكية كلها محلية». فلولا حدوث تحول جوهرى فى الداخل الأمريكى لما كان من الممكن تغيير السياسة الخارجية الأمريكية تجاه كوبا.
فقرار أوباما بتطبيع العلاقات مع كوبا لا يمثل تحولا مفاجئا. ولا حتى أوباما نفسه هو أول رئيس يسعى جديا لإحداث مثل ذلك التحول.
فالفضل الأول فى تغيير السياسة يعود لبيل كلينتون، والذي فى عهده ظهرت المؤشرات الأولى التي انتهت فى عهد أوباما بالقرار الرئاسي بتطبيع العلاقات. فمنذ عهد ريجان كان اللوبي الكوبي، المعروف باسم «المؤسسة العامة للكوبيين الأمريكيين» هو الفاعل الرئيسي فى صنع السياسة الأمريكية تجاه كوبا.
ولوبي كوبا شكله الكوبيون الذين هاجروا للولايات المتحدة بعد تولي كاسترو، وكانوا القوة الضاربة المناهضة لأي تغيير فى سياسة أمريكا المعادية للنظام الكوبي. وقد تمتع اللوبي بنفوذ ضخم فى واشنطن واعتبر من أقوى جماعات المصالح الأمريكية فى مجال السياسة الخارجية وكان يقارن بنفوذ لوبي إسرائيل.
لكن مع نهاية الفترة الأولى لحكم كلينتون، كانت المؤسسة تعاني ضعفا متزايدا نتيجة موت مؤسسها والصراع الداخلي الذي دب بين قياداتها، فحل محلها فى الحفاظ على السياسة المتشددة تجاه كوبا مجموعة من الكوبيين الأمريكيين الذين فازوا بمقاعد فى الكونجرس مثل النائبة إليانا روس ليتينين، وهى من أقوى أنصار إسرائيل بالمناسبة، ولينكولن ثم أخيه ماريو دياز بالارت، والسناتور وروبرت مينيندز.
وقد سبق هؤلاء جميعا مارك روبيو، المتوقع أن يرشح نفسه للرئاسة فى 2016، الذي صار عضوا فى مجلس الشيوخ لاحقا. وقد استطاع الكونجرس ذو الأغلبية الجمهورية وقتها أن يصدر قانونا فى 1996 صار مشهورا باسم قانون هيلمز- بورتون.
وهو القانون الذي قام بتحويل كل القرارات التنفيذية المتعلقة بالحظر على كوبا إلى قانون ومنع الرئيس عمليا من أن يكون له دور فى إلغاء الحظر أو تعديل شروطه. وهو القانون الذى جاء وقتها فى أوج الصراع بين الكونجرس الجمهورى وكلينتون، حيث سعى الجمهوريون بعد فوزهم لصنع السياسة الداخلية والخارجية على السواء وفرضها على الرئيس.
لكن كلينتون، وهو من أبرع السياسيين الأمريكيين على الإطلاق، رغم أنه وقع القانون، إلا أنه سعى لتفريغه من محتواه بل وسعى عبر حيلة ذكية لتغيير السياسة الأمريكية تجاه كوبا عبر تغيير جذورها الداخلية.
وكان ما يهدف إليه كلينتون وقتها هو إحداث تحول فى توازنات القوى فى الداخل الأمريكي بشأن كوبا، وتحويل كوبا من قضية «أمن قومي»، كما كان يُعرّفها الكوبيون الأمريكيون، إلى قضية تجارة خارجية وقضية إنسانية بالأساس، عبر خلق لوبي جديد مناهض للوبي الكوبي. و
من هنا، عمل كلينتون بكل قوته على تشجيع أصحاب الأعمال وبالذات فى مجال الزراعة للاهتمام بكوبا. وبالفعل، تكللت جهوده بالنجاح بعد سنوات إذ ناهض لوبي المزارعين علنا فى 1999 الحظر على كوبا وطالب أعضاؤه بزيارة الجزيرة فسمح لهم كلينتون بذلك. وفى تلك الفترة أيضا كانت هناك أجواء مساعدة.
فقد زار بابا الفاتيكان كوبا فى بداية عام 1998، ومن هناك، وجه انتقاداته للحظر الأمريكي فاستغل كلينتون الحدث وشجع الجماعات الأمريكية التى كانت تطالب بإنهاء الحظر على أسس إنسانية على التحرك. وقد حظي كل ذلك بدعم بعض وزراء الخارجية السابقين من كيسنجر وشولتز إلى إيجلبرجر الذين دعوا فى العام نفسه لتشكيل الرئيس للجنة تراجع سياسة الحظر المفروضة على كوبا.
وبالفعل لم يشكل كلينتون تلك اللجنة ولكنه استخدم فى قانون هيلمز بورتون نصا كان يسمح للرئيس بوقف ما نص عليه القانون من حق المواطنين الأمريكيين فى مقاضاة الشركات العاملة فى كوبا أمام المحاكم الأمريكية فى حالة حدوث تحول ديمقراطي فى كوبا. وهو ما كان كلينتون يقدمه كل عام ليس تحت بند حدوث التحول الديمقراطى وانما تحت شعار «التحفيز على التحول الديمقراطي».
وما أشبه الليلة بالبارحة. فاليوم، مثلما كان الحال فى عهد كلينتون، يسعى الجمهوريون، الذين سيتولون الأغلبية فى المجلسين بدءا من يناير، إلى منع تنفيذ قرار أوباما بتطبيع العلاقات عبر تفعيل قانون هليمز- بورتون، بل يقولون أن قرار الرئيس مخالف للقانون الأمريكي لأن قانون هيلمز بورتون لا يزال ساريا.