يبدو هذا العنوان غريباً بعض الشيء، إذ يمكن لسائل أن يسأل وما الترابط بين المدرسة والسياسة؟ وهل من الحكمة أن نسيس المدرسة؟
الجواب لا، لسنا ندعو الى تسييس المدرسة، بل هاجسنا أمر آخر. هاجسنا هو كيف تكون المدرسة صانعة للقيم التي تنعكس فيما بعد بالوعي السياسي للفرد. فالمدرسة هي مكان للتربية والتعليم، تؤكد الواو هنا الترابط الذي لا يمكن فصمه بين التربية والتعليم.
والتربية بالتعريف صناعة الفرد أخلاقياً وقيمياً وجمالياً وثقافياً بحيث يكون فاعلاً إيجابياً في الحياة بكل أشكالها، وقادرا على التكيف الاجتماعي الشرط الضروري للعيش المشترك. تربية كهذه لا يمكن أن تتم دون تعليم الفرد شتى أنواع العلوم، من العلوم الطبيعية الى العلوم الإنسانية إلى مباحث الفن والأدب والإبداع عموما.
ما علاقة هذا كله بالسياسة؟ لا حاجة بنا لنؤكد ما أكده أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد من أن الإنسان حيوان سياسي ومدني واجتماعي، والسياسة بوصفها تلك العلاقة التي تقوم بين مؤسسة الحكم وجمهور المحكومين في ظل الدولة ليست إلا تعبيرا عن مستوى مدنية وحضارة ورقي وتقدم المجتمع والفرد. وأهم معلم من معالم المدنية والتقدم والرقي التحرر من العنف كوسيلة لفض الخلافات بين البشر
. هنا بالذات يبرز دور المدرسة في بناء الإنسان السياسي - الاجتماعي ـ المدني، ومن أهم المثالب المعروفة في مدارسنا أنها أقل اهتماما بمباحث الروح، أقصد الفنون والآداب والموسيقى والفكر والرياضة، وأكثر اهتماما بالعلوم الطبيعية والرياضية لما لها من وظيفة عملية في المستقبل. بل إن هناك بعض الدول لا وجود لهذه المباحث إلا في البرنامج فقط، وحرمان التلميذ من المباحث الروحية هذه يلقي بظله على مستقبل الوعي السياسي لديه.
من الثابت الآن في علم التربية أن تعلم الطفل للموسيقى والاستماع إليه يرفع من سوية إحساسه الجمالي بالعالم ويزوده بحب الحياة ويقلل من نوازعه العدوانية.
وإذا أضفنا إلى الموسيقى وتعلمها تعلم الفنون التشكيلية فإننا ننمي لدى الفرد خياله الفردي ومقدرته على الابداع، وقس على ذلك تعليمه فن الرياضة، حيث تكاد تكتمل صناعة الإنسان المتحرر من غريزة العنف، ومن نافل القول الحديث عن دور الآداب بكل أنواعها على تربية الإنسان على ثقافة التفكير والحوار. أهم القيم التي يجب أن يقوم عليها الوعي السياسي.
غير أن هناك أمرا أساسيا يجب أن يترافق مع تربية كهذه ألا وهو تعليم الطفل في المدرسة فن التفكير وحرية التفكير واحترام الاختلاف في التفكير، وهذا الأمر لن يتم إلا بتربية الطفل التلميذ على ثقافة السؤال، وتخلق ثقافة السؤال لدى الكائن الحذر من اليقين، وحرية الشك المنهجي للوصول الى المعرفة الجديدة.
يتعلم التلميذ عبر تربيته على ثقافة السؤال حدود الممكنات التي ستنعكس، ولا شك، على وعيه السياسي في المستقبل، ألم يقولوا إن السياسة فن الممكن.
إن المدرسة بهذا المعنى تخلق الفرد السياسي الذي يفكر بعيدا عن العنف ونفي الآخر، وأن خلق مجتمع سياسي قائم على الحوار والإعتراف بالآخر والفرح بالأمن والعيش في مجتمع خال من العنف مستحيل دون أن تنهض المدرسة بالمهام التي أشرت إليها، وهذه ليست دعوة أخلاقية نظرية غير قابلة للتحقق، بل هي خطوط عملية لاستراتيجية تربية وتعليم لخلق الإنسان الذي لن يرى السياسة إلا من زاوية قيمة الإنسان العليا، والقضاء على أية نزعات أيديولوجية عنفية أو حرمانها من أن تجد أرضا خصبة لها.