تتعرض اقتصادات الدول المصدرة للنفط إلى مخاطر جديدة بفعل الاستمرار في انخفاض أسعار النفط، حيث شهدت هذه الأسعار هبوطاً تجاوز 50% في النصف الثاني من هذا العام مع أن من المفترض أن قدوم فصل الشتاء يرفع من سعر النفط بسبب زيادة الحاجة إليه في نصف الكرة الشمالي المستهلك الأكبر للطاقة في العالم.
ويأتي هذا الانخفاض الكبير بعد أن شهدت أسعار النفط استقراراً على مدى السنوات الخمس الماضية ليحدث قدراً كبيراً من المخاوف على مستقبل الاقتصاد العالمي الذي بدأ يشكو من هزات كبيرة في فترات زمنية متقاربة، وليفتح باب التوقعات لتداعياته السياسية وهي ليست بالقليلة.
النفط كأية بضاعة أخرى تخضع أسعاره لقاعدة العرض والطلب وإلى حد ما إلى التوقعات المستقبلية القريبة بمدى الحاجة إليه، ولكنه من جانب آخر ليس كأية بضاعة حين يصبح أداة سياسية تستخدم للي أذرع دول لأنه المصدر الرئيسي للطاقة، عصب الحياة ومحور تقدمها، أو لأنه المصدر الرئيس لدعم اقتصادها.
اليابان والهند والصين وتركيا ودول أوروبا هي المستفيد الأكبر من انخفاض أسعار النفط، إلا أن جميع الدول المنتجة له والتي تصدر جزءاً من إنتاجها قد تضررت من هذا الانخفاض ولكن تأثيرات ذلك بدأت تظهر بوضوح على بعضها بشكل أكثر من الأخرى.
أبرز المتضررين هي روسيا وإيران اللتان تعانيان في الوقت نفسه من عقوبات دولية، فقد شهدت عملاتهما أرقاماً قياسية في التردي والانخفاض. ومن المتضررين أيضاً نيجيريا وفنزويلا والعراق والجزائر، وتبقى الدول الخليجية المنتجة للنفط تحقق بعض الأرباح حتى لو انخفض سعر النفط إلى أربعين دولار وذلك بسبب انخفاض كلفة الإنتاج.
سبب انخفاض الأسعار هو تراجع حجم الطلب وذلك لضعف الأنشطة الاقتصادية التنموية وزيادة كفاءة إستخدام هذه المادة والتحول المستمر نحو مصادر جديدة للطاقة. فهناك فائض في الأسواق يقدر حجمه بمليوني برميل.
أصبحت الولايات المتحدة تحتل المركز الأول في إنتاج النفط والغاز المسال بعد أن بلغ إنتاجها أحد عشر مليون برميل يومياً من النفط وهي لا تقوم بتصديره إلا أنها أصبحت أقل حاجة لاستيراد نفوط أخرى.
فقد نجحت الشركات الأميركية في تكساس وشمالي داكوتا بتطوير تكنولوجيا استخراج النفط الصخري بكلفة تتراوح بين 65-75 دولاراً للبرميل الواحد في الوقت الذي نجحت الشركات الكندية في استخراج النفط الرملي بكلفة تقل عن ذلك بنحو عشرة دولارات.
الإبقاء على الاختلال في معادلة العرض والطلب في السوق النفطية لا يخلو من أهداف سياسية . نحن نشهد الآن بوادر حرب نفطية جديدة خرجت للعلن بعد أن شمرت منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» عن سواعدها لترفض خفض الإنتاج بحجة عدم السماح للنفط الصخري في الولايات المتحدة والنفط الرملي في كندا أن يصبح منافساً لنفوطها.
التداعيات السياسية لهذا الانخفاض في الأسعار تستوجب بعض التأمل، فالحفاظ على الأسعار المتدنية تُستهدف بها بالدرجة الرئيسية سياسات عدد من الدول أبرزها روسيا وإيران.
فحرب النفط هذه ليست معزولة عن الأزمة الأوكرانية وليست ببعيدة عن الملف النووي الإيراني والحرب الدائرة في سوريا والوضع المتأزم في العراق وأوضاع لبنان واليمن، وهي قضايا تلعب فيها كل من روسيا وإيران دوراً لا تعتبره الدوائر الغربية والعربية إيجابياً.
بدأت أزمة الاقتصاد الروسي وبوادر انخفاض سعر الروبل منذ عام تقريباً مع بدأ الأزمة الأوكرانية، إلا أنها تفاقمت بسرعة بسبب هبوط أسعار النفط وهو ما يسبب القلق الشديد للرئيس الروسي الذي قد تتعرض صورته للإهتزاز.
الغرب بزعامة الولايات المتحدة لا يزال يمتلك مقومات القوة والهيمنة على مقاليد الأمور في العالم على المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والتحدي الذي يواجهه من قبل روسيا وبعض الدول الأخرى الأقل أهمية لن يغير من مآلات الأحداث.
هناك تخوفات لدى بعض الأوساط أن يؤدي تدهور الاقتصاد الروسي ووصوله إلى حافة العجز على الإيفاء بديونه التي ينبغي سدادها بالدولار حسب العقود المبرمة قد يجر الاقتصاد العالمي إلى حالة من الركود.
صحيح أن روسيا ليست معزولة اقتصادياً كما كان حال الاتحاد السوفيتي فقد أصبح لها منذ نهاية الحرب الباردة امتدادات ووشائج كثيرة مع الاقتصاد العالمي فهي عضو في مجموعة العشرين وأضيفت كعضو ثامن إلى مجموعة السبعة الكبار وحصلت على عضوية منظمة التجارة العالمية.