بعد ساعات قلائل تغرب شمس عام 2014 لتشرق شمس عام جديد بآمال جديدة، وتحديات كبيرة تضع فيه كل أمة خارطة العمل التي تود أن تسير عليها، وحجم الأعمال التي ترغب في إنجازها، والناس فيما يعشقون مذاهب، والقادة يضعون الأهداف الكبرى التي يحفزون بها الهمم ويحشدون الطاقات ويسخرون الموارد والإمكانات التي تحقق ذاك الهدف.

البعض منهم اختار أن يكرس كل جهده وموارده للحروب والهدم والدمار، وهناك من ارتضى لنفسه ولتاريخه وشعبه طريق البناء والتنمية، ولقد حسمت الإمارات خيارها، وخطت طريقها وحددت هدفها الذي لا تحيد عنه، وهو طريق البناء والتنافس الدائم لما فيه مصلحة الوطن.

وعز المواطن ورفاهيته على مدار سنوات خلت منذ قيام الاتحاد حتى انتقلت التجربة النهضوية الإماراتية من مرحلة التكوين وبناء الدولة في سنوات، معجزة بكل المقاييس، إلى مرحلة التميز وتحويل كل الدوائر الحكومية إلى فرق تميز.

لا ترضى بالعمل النمطي أسلوباً أو بالنتائج المتواضعة أملاً وغاية، ولم يعد العمل الحكومي وسيلة لكسب العيش وفقط بل مجالاً يخرج فيه كل فرد أفضل ما لديه في سباق لم يعد فيه للقانعين بالأداء النمطي كبير مكان.

ولأن الإمارات تعرف طريقها وماذا تريد وكيف تصل إليه فقد أعلنت القيادة الرشيد أن 2015 عام للابتكار، ولا شك أن لهذا الإعلان دلالات مهمة يجب التوقف أمامها والنظر في الرسائل التي يحملها لكي يهيئ كل مسؤول، صغرت دائرة مسؤوليته أم اتسعت، نفسه والعاملين معه للتناغم مع الهدف ووضع آليات العمل.

إن سر التجربة التنموية الإماراتية، والتي باتت مثلاً ونموذجاً ينهل منه كل طامح لخير شعبه وعز أمته ورفاهيتها، هي الوضوح في الرؤية التي تنعكس على تحديد الهدف، وهما الأساس في حشد الجهود وتناغمها، لقد عانى عالمنا العربي طويلاً من الخطابات الرنانة التي ترفع شعارات فضفاضة مثل الانطلاقة الكبرى، ومعركة البناء والتحدي، وقوى الشعب العامل.

تلقيها القيادات الثورية على رؤوس الناس، فتبادرها الحشود بالتصفيق الحاد، والحناجر التي تصدح بالهتاف ثم ينفض السامر دون عمل ودون تحقيق شيء يلمسه الناس، وما إن تمل الشعوب أوضاعها وتسوء أحوالها حتى تلقي عليهم شعارات أخرى، للدرجة التي أصبحت التظاهرات الحنجورية هي الغالبة على فعل بعض من القيادات العربية بعد أن أضاعوا على أوطانهم مقدرات .

وعلى شعوبهم عقوداً من الزمن كانت كفيلة ببناء البلاد وعلى أنفسهم تاريخاً كان كفيلاً بأن يخلد أسماءهم بحروف من نور، وهذا هو المنحى الذي تجاوزته الإمارات قيادة وشعباً، فعندما تعلن القيادة عن رحلة التميز منذ ما يزيد على عقد من الزمن فيصبح التميز شاخصاً أمام المواطن مشاركاً في صناعته ومستفيداً من ثمراته.

وعندما تعلن القيادة عن حكومة تعمل سبعة أيام في الأسبوع ينعكس ذلك على المسيرة اليومية لحياة الناس وحركة أعمالهم، وعندما تعلن القيادة عن أن الهدف الاستراتيجي للعمل الحكومي ليس فقط رضى الناس بل إسعادهم، يكون هذا أمراً محققاً، ويضع كل فرد من أبناء الوطن أمام مسؤوليته المجتمعية لتحقيق هذا التوجه.

لذا لم يكن إعلان القيادة عن «المركز الأول» قائماً على حماسة وطنية فحسب لكن كان يقف من خلفه ويسانده تجارب ناجحة ورصيد من العمل الشاق والمضني على مدار سنوات كفيلاً بأن تنافس به الإمارات على المركز الأول، لتأتي التقارير الدولية من جهات مختلفة والدراسات المبنية على معدلات الأداء العالمية لتخبرنا أين نحن.

ولأن البناء قد اشتد صلابة وترسخ، وأصبح التميز هو العنوان والمركز الأول هو الهدف وإسعاد الشعب هو الغاية، كان النداء إلى جعل 2015 عام الابتكار، وهو ما يأتي متناغماً مع طبيعة العصر الذي نعيشه بتغيراته المتلاحقة وتعقيداته التي لم تعد الحلول النمطية والأفكار التقليدية صالحة للتعامل مع تحدياته التي نواجهها كل يوم أو ملبية لطموح المركز الأول، ما يستلزم التفكير الدائم خارج الصندوق للتوصل إلى أفكار وحلول غير نمطية.

وما يستحق التوقف هو الإعلان في حد ذاته، فعندما تعلن مؤسسة عن مسابقة للأفكار المبتكرة فذاك أمر محمود، وعندما تعلن وزارة عن رغبتها في رعاية المبتكرين فذاك جهد شاق يتطلب خطة استراتيجية توضح آليات العمل، لكن الجديد أن قيادة دولة تعلن أن «حي على الابتكار» ومدى النداء لا يشمل قطاعاً بعينه أو جهة محددة أو وزارة بذاتها أو فئة عمرية دون غيرها أو مهنة خلاف أخرى، إنه نداء للوطن ولأبنائه.

 كما أن هذا يدل دلالة واضحة على رؤية بعيدة المدى واستشراف للمستقبل تتمتع به قيادتنا الرشيدة التي لا ترضى بغير المركز الأول بديلاً، ومن ثم تعمل دائماً على استنهاض الهمم وشحذ الأفكار وتجميع الجهود للوصول إلى الهدف المنشود من خلال توفير بيئة للإبداع في كل المجالات وعلى كل الصعد، تستفز في كل مواطن أفضل ما لديه.

كما تؤكد أن حكومتنا الرشيدة تنتقل برؤيتها من مرحلة إلى أخرى، فمرحلة الابتكار هي التطور الطبيعي لمرحلة التميز، كما أكد ذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بأن الرضى والقناعة بحالة، حتى لو كانت متميزة، هو نوع من التراجع..

إن أكثر ما يؤلم المبتكرين في أمتنا العربية هو أن الآذان الصاغية والعناية غير المحدودة والبيئة المواتية تأتيهم في الغالب خارج حدود أوطانهم، فتهاجر حيث تجد من يراعاها حتى أقيمت الحضارات.