مشكلات مصر الراهنة كثيرة ومعقدة، ولكن ليس هذا هو ما يبعث على القلق، كلما سمعت من يتكلم عن مشكلات مصر الكثير والمعقدة أقول لنفسى:« ومتى كانت مشكلات مصر قليلة وغير معقدة؟» إن هذا لم يمنع من مرورنا بفترات كثيرة ساد فيها التفاؤل، وارتفعت فيها آمالنا إلى عنان السماء.
نعم، مشكلاتنا متداخلة ومتشابكة، فكلما بدأت التفكير في مواجهة مشكلة منها وجدت أن حلها يتوقف على حل مشكلات أخرى فلا تدري من أين تبدأ.
ولكنى أذكّر القارئ بأنه عندما بدأ الحديث عن مشكلات البلاد المتخلفة وطرق الخروج منها (منذ نحو ستين عاماً)، كانت من بين النظريات الشائعة نظرية «حلقات الفقر المفرغة»، وهى التي تتكلم عن هذا بالضبط، وتنتهى إلى النتيجة الآتية: «البلاد المتخلفة فقيرة لأنها فقيرة»، أي أن الفقر سبب لكثير من مشكلات البلاد المتخلفة، ولكنه أيضاً نتيجة لهذه المشكلات في الوقت نفسه.
كثيراً ما نضرب كفاً بكف قائلين: ومن أين نأتي بالأموال اللازمة لحل هذه المشكلة أو تلك؟ ولكن حتى هذا الخاطر لا يؤدى بي إلى الشعور بالإحباط. ذلك أنى صادفت خلال دراستي للاقتصاد الكثير من الردود القوية على هذا النوع من الأفكار الباعثة على اليأس.
صادفت مثلاً قولًا لاقتصادي أميركي شهير ( شارلز كندلبرجر Charles Kindleberger)، وهو يتكلم عن دور الموارد الطبيعية في التنمية الاقتصادية، واقتنعت بصحته، وهو أن أي جماعة بشرية موجودة على قيد الحياة، لابد أن يكون لديها من الموارد الطبيعية ما سمح لها بالوجود أصلاً والاستمرار في الحياة.
صادفت أيضاً قولاً حكيما ًلأستاذ بريطانى شهير، ويعتبر من أكبر رواد الفكر التنموي ( أثر لويس Arthur Lewis)، وهو يتكلم عن معدل الادخار والاستثمار الواجب تحقيقها من أجل رفع معدلات التنمية، إذ قال إن الدولة التي تنفق هذه النسبة العالية من دخلها على الحرب أو التسلح (الذي تنفقها بالفعل العديد من الدول).
لا شك أنها قادرة على توفير مبلغ الادخار والاستثمار المطلوب للتنمية واستطيع أن أضيف (بناء على مشاهدتي لما يحدث في مصر الآن) ما ينفقه المصريون على الأفراح والحفلات، أو على السيارات الفاخرة التي تملأ شوارع مدننا الكبيرة، أو على قنوات البث التلفزيوني على مدار النهار والليل.. إلخ.
أذكر أيضاً السنوات الأولى التالية لثورة 23يوليو 1952، كم عمّ الفرح فيها وساد التفاؤل، وكيف استعاد الناس الثقة، بين يوم وليلة بقدرتهم على حل المشكلات، بما في ذلك مشكلة الفساد، ليس هذا فحسب، بل أزعم أن المناخ الذي ساد حينئذ، ساعد بطبيعته على التقليل بشدة من أمثلة الفساد، ليس فقط خوفاً من العقاب.
إني أستطيع أيضاً أن أشير إلى مثال آخر، المناخ العام الذي ساد مصر في الشهور الأولى التالية لثورة 25 يناير 2011.
هل تذكروا مثلاً ما حدث لشعورنا بإمكان القضاء على ما يسمى «بالفتنة الطائفية» إلى الأبد، عندما رأينا نوع التكامل الذي ساد بين المسلمين والأقباط المجتمعين في الميادين؟ هل تذكرون أيضاً ما قدمه الأغنياء من تبرعات بالأغذية والبطاطين والأموال لتلبية حاجات المتظاهرين أو المعتصمين في الميادين، واستجابة كثير منهم للتبرع لتمويل المشروعات القومية؟
لكن أسخف ما يمكن أن نسمعه (ونسمعه أحياناً للأسف)، هو القول إن هناك أشياء في الشخصية المصرية تحول دون النهضة. لقد سمعت مثل هذا القول المحبط عن كثير من الأمم الأخرى.
قاله الإنجليز عن أنفسهم في أعقاب أحداث 1956، عندما أصيب الإنجليز بالإحباط الشديد في أعقاب تأميم قناة السويس وانتصار إرادة دولة صغيرة على دولة كانت لها إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس.
والتفسير الحقيقي أن لشخصية كل أمة إيجابياتها وسلبياتها، ثم تحدث أزمة فيميل كثيرون من أفرادها إلى تفسير الفشل ما يعرفونه (أو يضخمونه) من سلبيات أمتهم، والمصريون ليسوا استثناء.
ليس معنى هذا أن ليس لديّ أي سبب للقلق. بل لديّ أسباب حقيقية وقوية، ولكن هذا يحتاج إلى مقال آخر.