صحوة أم كبوة؟!

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يثر استغرابي في السنوات الأخيرة أي شيء قدر ما أثار استغرابي مصطلح «الصحوة»، الذي تم تداوله في ساحة اللغو السياسي العربي.

ومع أنني أحاول تلمس مظاهر هذه الصحوة ومرتسماتها الواقعية على الأرض وفي وعي البشر، فإنني لم أنجح إلى اليوم في العثور على ما يشير إليها أو يبشر بقدومها، رغم إيماني الصادق بضرورة أن يصحو عالمنا ليرى نفسه والعالم بأعين دين لطالما اتسم بالتسامح والتفاعل الإيجابي مع الواقع والبشر.

وسيأخذ صورة إحياء للدنيا ينعكس يمناً وبركة على جميع خلق الله، ويعمل لإخراجنا من مآزق عصيبة تبين تجربتنا التاريخية أننا فشلنا حتى الآن في تطوير ما نرد به عليها، يرتبط استمرارها بغياب صحوتنا الإسلامية بصورة خاصة.

لا شك في أن فكراً نصياً اكتسح الساحة في العقود الأخيرة، بالتلازم مع فشل المشاريع المتنوعة، التي واجهنا من خلالها التحدي الغربي، سواء في زمن الاستعمار أم بعد الاستقلال، لكن هذا الفكر المتطرف لم يعبر عن صحوة، بل كان كبوة من أعظم الكبوات التي تعرضنا لها على مر تاريخنا.

ليس فقط لأنه لا يخرجنا من تأخرنا وفواتنا وغربتنا عن عالمنا، وعجزنا عن امتلاك المقومات المعنوية والمادية التي تمككنا من اللحاق به، بل كذلك لأن هذا الفكر المتطرف كان هو نفسه ورطة لم يسبق لنا أن واجهنا ما هو أشد إضراراً منها بعقولنا وعواطفنا، وبقدرتنا على مواجهة المخاطر.

يرجع السبب إلى أن الفكر الذي لطالما أردنا أن نواجه بواسطته أمراضنا وعيوبنا، صار هو نفسه المرض الأكبر والعيب الأخطر الذي يتحدى قدرتنا على مواجهته والخروج منه.

ويزيد الأمر صعوبة أنه ينتمي إلى مجال لا نمتلك، كغيرنا من الأمم والشعوب، غير الأدوات الفكرية والمعرفية التي يزودنا بها لمعالجة أدواء واقعنا، والتغلب على بلايانا، ولترسم طرق تقدمنا، ومبارحة الأوضاع التي تبقينا متخلفين عن ركب الحضارة الإنسانية. إذا كان الدواء هو الداء، فكيف نشفي مريضاً أصيب به؟!

تقول الوقائع القاسية جداً، التي تقع على مرأى ومشهد منا، إننا لسنا أمام صحوة، بل نحن بالأحرى أمام كبوة تمس حاجتنا إلى الخروج منها في أقرب وقت، كي لا تقضي على البقية الباقية من عقولنا وآمالنا وقوانا، أما سبب هذا الكبوة فيرجع إلى تراجع إسلامنا الوسطي.

المعتدل والمتسامح، أمام فكر ديني آسيوي، إقصائي ومغلق، تبلور قبل عقود في المناطق الآسيوية الأكثر تأخراً من العالم الإسلامي، وكانت له وظيفة سياسية تعبوية هدفها القطع الجذري مع الآخر والمختلف، والانفصال عنه وتأسيس كيان معاد أو مضاد له.

هذا الفكر، بدأ ينتشر عندنا بعد استيلاء الصهاينة على فلسطين، وما فرضه زرع جسم غريب فيها من صراع ليس فيه حلول وسط.

 

طباعة Email