بين يدى حوار أكاديمي حول مآلات مواجهة الغزوة الصهيونية، استخدم بعض المشاركين المقترب الإحصائي، وطرحوا تحليلات رقمية توحي بأن الفلسطينيين والعرب كانوا دوماً الخاسرين في كل الجولات القتالية بلا استثناء.. و

كان رأينا أن الاستعانة بالمنظور الكمي في التعامل مع معظم الظواهر الإنسانية، ومنها حقول التاريخ والاجتماع والأدب والسياسة والقانون والنوازع النفسية، ينبغي أن تكون محفوفة بالتحفظات والمحاذير.

وذلك على خلاف الأمر عند استخدام المنظور ذاته في معالجة الظواهر الطبيعية.. فالإنسانيات عموماً أكثر تعقيداً من أن تخضع للمعادلات الإحصائية الحسابية بكل جفافها وصرامتها. قلنا إن الاكتفاء بلغة الأرقام، بمعزل عن مجموعة المحددات والمدخلات المحيطة والمؤثرة بالنسبة للقضية موضع النظر، قد يسوق إلى نتائج مضللة.

لا يصح مثلاً أن ندعي بأن أحداً ما قد تحسنت ظروفه المعيشية لمجرد حدوث زيادة في دخله من الوحدات النقدية. إذ لا بد هنا لصحة النتيجة من احتساب معطيات أخرى، كمعدل التضخم وتغير قيمة النقد، ومعرفة مدى الثبات والتحول في عدد من يعولهم هذا الشخص والتطور الذي قد يكون طرأ على احتياجاته... إلخ. مثل هذا القياس الكمي الحذر، ينطبق تماماً على قراءة سيرورة الصراع على أرض فلسطين وجوارها.

فالقول إن إسرائيل قد تمكنت فور ولادتها عام 1948 من هزيمة جيوش «سبع» دول عربية بعضها أقدم من بناء الإهرامات، لا يستقيم منطقياً وفي العمق إن لم يقترن ببيانات وقيم إضافية، ومنها ما هو رقمي أيضاً.. من قبيل أن الدولة البازغة وقتذاك حشدت أربعة أمثال حجم الجيوش العربية السبعة عُدة وعتاداً ورجالاً مدربين.

فإن قيل ولم كان هذا التفاوت، كان علينا سرد وقائع ومعطيات لا حصر لها، تبدأ ولا تنتهي بالسياق التاريخي السياسي الاجتماعي الاقتصادي، الحضاري بعامة، المزامن والسابق على وقوع تلك الحرب ومدى تأثيره في الطرفين، وتداعيات انحياز القوى الاستعمارية للجانب الصهيوني... إلخ.

فإن قيل ولماذا حارب العرب في ظروف غير مواتية لهم؟ كان الرد وهل كان الأفضل أن تختطف الصهيونية فلسطين بلا أي مقاومة؟ ثم من أدرانا إلى أي حد كان الكيان الصهيوني سيغوص في لحم العرب ودمهم فيما لو تُرك وقتذاك على غاربه بلا مقارعة؟ يتصل بالوقوع في خطأ الاستناد إلى الموازنات الإحصائية وحدها عند تقويم المنازلات الإسرائيلية العربية جميعها.

أن يقال بانتصار إسرائيل وقوامها بضعة ملايين، على أمة العرب ذات الثلاثمئة مليون وزيادة، إن منظوراً كهذا يحجب عن الرؤية والحساب عشرات ملايين الصهاينة من اليهود وغير اليهود، الداعمين لإسرائيل على كل الصعد وبغير حدود..

هناك زهاء 80 مليوناً منهم في الولايات المتحدة وحدها ومثل هذا العدد في أوروبا. هذا دون الاستطراد إلى المدد اللامحدود أيضاً من قوى دولية غالبة وظاهرة بكل المعاني في دنيا العلاقات الدولية.

ثم إنه لا صحة للزعم بأن العرب واجهوا إسرائيل بكامل طاقاتهم في أي وقت. ولا يمنع شبهة خطل التحليل عند بعض أنصار مدرسة الإحصائيين، أن تُشير محاجاتهم إلى دور «الرديف الخارجي» للطرف الإسرائيلي وكأنه مجرد «ملحق» أو متغير ثانوي بوسع إسرائيل الاستغناء عنه. لأن هذا الرديف ثابت وجوهري التأثير، بالنسبة إلى مسار الصراع ومصيره.

هذا أو يُجيبنا هؤلاء عما كان سيؤول إليه هذا الصراع فيما لو خصمنا من إسرائيل «القوة المضافة» التي تتمتع بها، نتيجة انتمائها للغرب وعلاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة؟ من باب الاستخفاف بحصاد نضال العرب في مواجهة إسرائيل، يدفع البعض بأن هذه الأخيرة تخسر في حوادث الطرق أرواحاً بمعدل يفوق ما يلحقه بها هذا النضال سنوياً.

وهذا الاحتجاج يمثل الذروة في منهجية الاعتماد على المقارنة الإحصائية الظاهرية بلا تدبر في والحيثيات والدلالات الغائرة.

فإسرائيل تستطيع تقبل خسائر حوادث الطرق ولو بلغت عشرات الألوف، لكنها لا تملك هذه الأريحية إذا تعلق السبب بالمقاومة الفلسطينية أو العربية لها مهما كان الرقم ضئيلاً، هذا أمر شرحه يطول، لكن موجزه أنها تتعامل مع دلالات الخسارة في الحالين. وهنا يعنيها ملياً ألا تخسر مستوطناً واحداً من جراء الرفض الفلسطيني أو العربي لكينونتها أو أهدافها.

فخسارة كهذه تنذرها بوجود من يتربص بها ويجتهد في تحري سبل مقاومتها واسترداد حقوقه منها، وهذا شأن نفهمه من سنن «الاستعمار الاستيطاني» بالذات، الذي ينام بنصف عين طالما بقي هناك من أصحاب البلاد من يرفض وجوده ويشكك في شرعيته. الشاهد عموماً أن العرب لم يهزموا المشروع الصهيوني، لكنه أيضاً لم يلحق بهم هزيمة تلزمهم الاستسلام والإذعان كما يضمر المرجفون.