ليس هناك ما هو أسوأ من الفجور في الخصومة، وليس هناك أقذع لساناً ممن أصبح لا شيء لديه ليخسره، فتجده يلقي نباله وسخائم نفسه يُمنةً ويُسرة كانتفاضات ما قبل النزع الأخير، فكم كان منحطاً ذلك التطاول من شخصٍ لم تُفده الحياة البرلمانية شيئاً لأنه غارقٌ حتى أذنيه في حمأ الحزبية المقيتة.
إذ خرج مبارك الدويلة جهاراً نهاراً وعلى قناةٍ رسمية متطاولاً على قامةٍ بسمو قامة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مُعيداً لردح العجائز الذي أتقنه حزب الإخوان المسلمين في بحثهم الأزلي عن أي شماعةٍ ليعلّقوا عليها فشل مشروعهم الهزيل والذي أبانت الأيام عن ضيق أفقه وتجذّر حزبيته البالية.
لم يفهم مبارك الدويلة أو ربما لا يريد أن يفهم أنّ أمن الأوطان أمانةٌ في رقاب ولاة الأمر وسمو الشيخ محمد خير من يمثل ولي الأمر المحب لشعبه، الحريص على أمنه، الساعي لرفعته، وأنّ أمن الوطن ليس لعبة «بلاي ستيشن» يعبث بها من شاء من الطائشين والباحثين عن موضع قدمٍ لشُهرة، ولم يفهم مبارك الدويلة وهو يقول إنه يحترم شعب الإمارات ولكنه ينتقد سمو الشيخ محمد لا غير، بأنّ من أساء لسموّه مرّة فقد أساء لنا مرّاتٍ بذلك.
ولو احترمنا و«حشمنا» كما يدّعي لاحترم شيخنا وعزوتنا ولَــ«نقّطنا» بسُكاتِه، فكلنا محمد بن زايد ولا يهمنا أي رايةٍ يرفعون ولا أي ذريعةٍ صالحة يختبئون وراءها زوراً وبهتاناً، ولسنا مغفلين لنكذّب أعيننا ونصدّق بُلهاء العرب ومن لَفَظتهم الدروب قبل القلوب.
إن الصراخ لن يغير حقيقةً، فالضوضاء لا تثبت شيئاً كما يقول مارك توين، فها هي الدجاجة التي تضع بيضةً تُحدِثُ ضوضاء وكأنها وضعت نيزكاً، وإن دغدغة عواطف البسطاء بنبز المخالِف بأنه عدو للإسلام قد ولّت واحترقت ورقتها ولن ينفع بشيء تلك الإضافة التي ذكرها الدويلة بأن الشيخ محمد يعادي الإسلام «السنّي» في محاولة للاستفادة - كعادة القوم - من توتّر المنطقة الطائفي.
ولأن «حبل الكذب قصير» فلتت من لسان الدويلة، في أحد لقاءاته، بأنّ خطأ محمد مرسي الأكبر أنّه لم «يُأخْوِن» الدولة، فورّط جماعته وأكّد ما نفوه طويلاً بأنهم لا يرون في مشروعهم المتهالك مكاناً سوى لمن هو من حزبهم فقط.
أمّا باقي الشعب فـ«ياكل تبن» ولو كان هو الكثرة الكاثرة لأنه ليس من الفئة المطهّرة، في غلوٍ مستهجن وانحرافٍ عقدي بغيض ومجانبة فجّة لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم في نبذ التعصبات بقوله «دعوها فإنّها منتنة» .
وهي التي يحاولون قَصْرها فقط على القبليات علماً بأنّ محور النهي كان لداعي العصبية قبلية كانت أو مذهبية أو فئوية، ولكنها العقول التي لا تريد أن تفهم، فخصومتهم بلغت من اللجاجة بمكان أن لا ترى الحق إلا فيها فقط.
لم نفقد محمد بن زايد يوماً في عمل خير، ولم يخلُ مجلسه أبداً من العلماء والفقهاء ويعلم ذلك كل من يؤم مجلسه بقصر البحر، وكلما أقيمت صلاة كان يتقدّم صفها الأول دون أن يوعز لمن يصوّر وينشر تلك الصور .
كما فعل غيره من المتاجرين حتى بوقوفهم أمام رب الأرض والسماء، ولم تسري محبة في قلوب الناس كما سرت محبته حتى لا تكاد تجد بيتاً لم يُسَمَّ طفلٌ عليه فيه، في ترجمانٍ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : «خيار أمراءكم الذين تحبونهم ويحبونكم».
وكم هو لافتٌ أن رؤوس ذلك الحزب لا يجرؤون على انتقاد إنجازات الشيخ محمد الحضارية ولا يتطرقون إطلاقاً لذلك لأنها ببساطة ستنسف ما ينادون به من أساسه، فلا وجه للمقارنة بين مشروعه الحضاري المتكامل وبين خطابياتهم وإنشائياتهم التي لا تصلح إلا أن تطرح في حصص التعبير للصفوف الابتدائية.
فمن تنويع مصادر الدخل ومشاريع الطاقة النووية ومبادرات الطاقة النظيفة ومدينة مصدر إلى إنشاء عاصمة للفكر والثقافة والفن العالمي بجزيرة السعديات إلى عاصمة للسياحة النوعية المختلفة عن البقية في جزيرة ياس، إلى سبق الأزمنة وما قد يصاحبها من مآزق بتدشين خط حبشان الذي ينقل 75% من إنتاج الدولة النفطي بعيداً عن مضيق هرمز وأوضاعه المتأزمة، وقس على ذلك العديد مما لا يجرؤ القوم على ذكره حتى لا تنكشف أوراقهم ويخرج مشروعهم الحضاري خاوياً لا يُشبه إلا «صنقحة قحطة».
قالوا بأنّهم أُفشلوا وتآلب عليهم الخصوم ولولا ذلك لنجحوا، فهل رأينا أفشل ممن يريد أن يلعب وحيداً لكي يفوز، ولم يكن بمستغرب محاولة وصم الشيخ محمد بأنه تآمر على ثورات الشعوب كما يدّعون، ويتعمدون عدم الإشارة إلى أن ذات الشعوب قد اقتلعتهم من مشاهدها السياسية اقتلاع النبتة الضارة من الحقل.
وما محاولات التأليب بالتآمر ومحاربة الإسلام إلا لعلمهم بأنهم هم من يعمل تحت الأقبية المظلمة ولا يتحرك إلا في دهاليز المؤامرات البائسة فرغبوا بصرف نظر الناس باتهام غيرهم كما يؤكد ذات المعنى عرّاب علم الاجتماع ايريك هوفر بقوله: «تستطيع معرفة ما يخافه عدوك بملاحظة ما يحاول إخافتك به»!
نقول إنه لا اعتداد برأي كارِه ولا أهمية لنقد حزبيٍ متعصّب، ولست هنا لإقناعهم فذلك محال لمن لا يرى سوى نفسه وحزبه فقط، ولكن أكتب لمن يعي حتى لا تلتبس الأمور في بكائيات تحاول استثارة التعاطف بجعل الدين في خطرٍ داهم كما يزعمون.
وإنْ كان من خطرٍ عليه فليس إلا منهم بعد أن جعلوه مطيّةً لمآربهم ردحاً من الزمن، ولئن حاولوا التخفيف من صدمة فشل مشروعهم بأن الفكرة لا تموت، فقد صدقوا، فحتى شواذ الأفكار وأغبى الأطروحات بقيت حيّة بين دهاقتنها ومريديهم السُذّج ولكنها عاشت وستبقى للأبد في الظل «فأمّا الزَبَد فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض».