مجزرة بكل المقاييس، تلك التي ارتكبتها «طالبان» في مدينة «بيشاور» الباكستانية، عندما هاجمت عناصر من مسلحيها مدرسة وقتلت نحو 150 شخصاً، أكثرهم من الطلبة، مبررة هجومها بالثأر لمقاتليها الذين قُتلِوا خلال العمليات التي أطلقها الجيش الباكستاني ضدها في غرب باكستان.
ثقافة الثأر والانتقام هذه دخيلة على الإسلام، ولو أنها كانت أصيلة لكان النبي، صلى الله عليه وسلم، انتقم من الذين حاربوه وآذوه، فمن علّم «طالبان» أن الثأر من مبادئ الإسلام؟ ومن دفعها إلى الانتقام من أطفال صغار لا ذنب لهم؟ ومن زرع في قلوب أفرادها كل هذا الحقد؟
وهل القتل ثقافة مترسخة في نفوس المنتمين إلى الحركات والجماعات التي تدعي أنها تقاتل باسم الإسلام، وتحرق وتدمر باسمه، وتقيم أسواق النخاسة باسمه، وتقول إنها تعمل لإقامة دولة الخلافة الإسلامية؟
إذا أخذنا حركة «طالبان» نموذجاً لهذه الجماعات، سنجد أن الذين ساعدوا مؤسسها الملا محمد عمر على إنشائها هم طلبة المدارس الدينية الذين بايعوه أميراً لهم عام 1994.
فقد تعلم أفراد الحركة في المدرسة الدينية «الديوبندية»، نسبة إلى قرية «ديوبند» في الهند، وتأثروا بمناهجها الدراسية، الأمر الذي انعكس على أسلوبهم في الحكم والحياة، حيث ركزت تلك المدارس على العلوم الإسلامية، كالتفسير والحديث والسيرة، ولذلك تَعتبِر «طالبان» الحكم الشرعي في مذهبها حكماً واحداً لا يحتمل الأخذ والرد حوله.
وتصبح الأحكام الشرعية واجباً دينياً لا مفر من تنفيذه، ولكن من أي فكر تستمد «طالبان» وغيرها من الحركات الإسلامية المتطرفة فكرها، وأي كتب يدرس طلبة هذه الحركات؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرَح.
هذه الحركات والجماعات التي تُعرَف بالسلفية الجهادية لا تعترف بأن عجلة الحياة تدور وحركتها تتغير، لذلك فإن الكتب التي تستمد منها أفكارها قديمة، توقف بعضها عند القرون الأولى من ظهور الإسلام، حيث كُتِبت في مراحل تاريخية وظروف تختلف تماماً عن المرحلة التي نعيشها والظروف المحيطة بنا.
وتطبيق تلك الأفكار والأحكام الآن يخلق فجوة حضارية بيننا وبين الذين نعيش معهم في هذا العصر، ويجعل الصدام معهم حتمياً، وفي كثير من الأحيان غير متكافئ. من يتعرض لهذه الكتب بالنقد يعرِّض نفسه للتكفير، ويُهدَر دمه من قبل هذه الجماعات المتطرفة، والأمثلة على ذلك كثيرة ومعروفة.
وإذا كان تدريس هذه الكتب من قبل هذه الجماعات يبدو غريباً لنا، فإن الأغرب منه أن تحتوي مناهج مؤسسة نعتبرها معتدلة ومستنيرة، مثل الأزهر الشريف، على كتب قريبة من هذه التي نتحدث عنها، سوف أضرب مثالاً عليها بأحد كتب الفقه الشافعي، طبعه الأزهر وقرره على طلبة الثانوية الأزهرية، وما زال مقرراً حتى اليوم.
هذا الكتاب هو «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» الذي فرغ من تأليفه الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الخطيب الشربيني سنة 972 هجرية، شارحاً فيه كتاب «متن الغاية والتقريب» للقاضي أبي شجاع أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهاني، الذي عاش في القرن السادس الهجري، أي انه شرْحٌ تم وضعه قبل خمسة قرون، على كتاب تم تأليفه قبل تسعة قرون.
سوف أنقل لكم منه فقرتين، ثم نسأل بعدها إن كان تدريس مثل هذه الكتب في هذا العصر يخدم الإسلام والمسلمين، ويخرج لنا جيلاً واعياً، يعرف كيف يتعامل من مستجدات العصر، وكيف يتعامل مع الأمم والأديان التي تعيش فيه.
يتحدث الكتاب في ص 540 عن أهل الذمة فيقول: (ويعرفون) بضم حرف المضارعة مع تشديد الراء المفتوحة على البناء للمفعول، أي نعَرِّفهم ونأمرهم – أي أهل الذمة المكلفين – في دار الإسلام وجوباً أنهم يتميزون عن المسلمين (بلبس الغِيار) بكسر المعجمة، وإن لم يشرط عليهم، وهو أن يخيط كل منهم من ذكر أو غيره بموضع لا يعتاد الخياطة فيه كالكتف على ثوبه الظاهر ما يخالف لونه لون ثوبه، ويلبسه، وذلك للتمييز...
والأولى باليهود الأصفر، وبالنصارى الأزرق أو الأكهب، ويقال له الرمادي، وبالمجوس الأحمر أو الأسود (وشد الزُنار) أي يؤمرون بذلك أيضاً، وهو بضم المعجمة: خيط غليظ يشد في الوسط فوق الثياب...
هذا الرجل، أما المرأة فتشده تحت الإزار... لكن مع ظهور بعضه حتى تحصل به الفائدة... ويستوي فيه سائر الألوان... وليس لهم إبداله بمنطقة ومنديل ونحوهما، والجمع بين الغيار والزنار أولى، وليس بواجب... (ويُمنعون) أي الذكور المكلفون في بلاد المسلمين (وجوباً) من ركوب الخيل.
ونقرأ في ص 562: وللمضطر أكل آدمي ميت إذا لم يجد ميتة غيره... لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت... وأما إذا كان الميت مسلماً والمضطر كافراً فإنه لا يجوز الأكل منه لشرف الإسلام...
وله قتل مرتد وأكله، وقتل حربي ولو صغيراً أو امرأة وأكلها... وله قتل الزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة ومن له عليه قصاص، وإن لم يأذن الإمام في القتل، لأن قتلهم مستحق، وإنما اعتبروا إذنه في غير حال الضرورة تأدباً معه، وحال الضرورة ليس فيها رعاية أدب.
هذا نموذج مما يُدرَّس في كتب الفقه الشافعي (وليس الحنبلي) في المعاهد ثم نسأل بعد ذلك: لماذا يزدهر الإرهاب في مجتمعاتنا، ولماذا يقتل المتطرفون النساء والأطفال؟ فلنجدد فقهنا الإسلامي، ولننق مناهجنا من مثل هذه الأفكار، إذا أردنا أن ينجو من القتل أطفالنا ونساؤنا، وتتخلص من الإرهاب بلداننا.