للفلسطينيين مع الأمم المتحدة قصة تحوي بعض الفصول الكئيبة، إلا أنهم توافقوا على الرضى بقوانينها وقراراتها وما تقضي به. وهم الآن بصدد إلقاء ملف قضيتهم وتحرير دولتهم في حجرها، بعد أن أعيتهم الوسيلة لتحصيل حقوقهم من خلال المسار السلمي الذي أخذوا به طويلا، لكنهم يتحسبون ويتوجسون من العراقيل التي تنذرهم بها واشنطن.

وتتعزز هذه المخاوف بالنظر إلى أن السياسة الأميركية تقارب المسألة الفلسطينية، وفقا لاتجاه معاكس لفروض الاستقامة القانونية أو السياسية أو الأخلاقية؛ تحدوها في هذا وتشجعها عليه، قدراتها الذاتية الجبارة واحتكامها إلى لغة المصالح الجافة دون غيرها.

الأكثر مدعاة لسخط الفلسطينيين، أن سياسة واشنطن تجاههم تقوم على منطلقات تُخالف تاريخ الأمة الأميركية والقيم التي نشأت عليها قبل أكثر من قرنين.

فمن يتابع مسيرة الولايات المتحدة نحو الاستقلال، قد يتساءل عما إذا كانت السياسة الأميركية والأميركيون اليوم، ينتمون حقاً إلى ميراث الثورة الأميركية وفكرها التحرري في القرن الثامن عشر؟ ففي إعلان الاستقلال الأميركي تستقر قيم نبيلة وفلسفة سياسية إنسانية شديدة الغيرة على الحرية والمساواة والعدالة: "إننا نؤمن بأن الناس جميعاً خلقوا سواسية، وأن خالقهم وهبهم حقوقاً لا تقبل المساومة، منها حق الحياة وحق الحرية والسعي لتحقيق السعادة... الخ".

أين هذه المُثل الراقية الرفيعة حول حقوق الناس، من السياسة الأميركية المدانة بالانحياز لدول ونظم تعيش على قهر الآخرين واحتلالهم واستباحة دمائهم ومقدساتهم، كما يحدث منذ عشرات السنين للفلسطينيين مثلاً؟ ولا تقل الدهشة عند ملاحظة أن الاستقلال الأميركي، جرى بفعل نزوع إلى التحرر من السيطرة البريطانية من حيث الدافع، وباستخدام العنف والتمرد الثوريين من حيث الأداة.

المراد بهذه الإشارات العاجلة، أن الأميركيين يُحرِّمون الآن على غيرهم من دعاة الاستقلال والتحرر، ما سبق أن أحَّلوه لأنفسهم. لقد قُرئ إعلان الاستقلال في 4 يوليو 1776، ليؤذن بميلاد أمة جديدة، كان يُفترض أنها تتبنى قيماً جديدة ستشع على أرجاء المعمورة.

لكن غير المعروف على نطاق واسع، هو أن ذلك الإعلان جاء في سياق مسار ثوري سابق، استمر أعواما وشهد قتالاً ضارياً شاركت فيه الولايات الثلاث عشرة، نواة الاتحاد الأميركي، ضد القوات البريطانية. وخلال تلك الحرب/ الثورة، تداعى الأميركيون إلى نبذ الحكم البريطاني والاستغناء عن كل رموزه ومظاهره..

وحين تنبهت بريطانيا "العظمى" إلى خطورة هذه الاتجاهات والإجراءات على سيطرتها في "مستوطنات العالم الجديد"، كانت تلك الولايات قد قطعت شوطاً بعيداً على طريق بلورة نظمها الخاصة، لكن فكرة التمكين السياسي لهذه النظم لم تراود القيادات الأميركية إلا في ما يعرف بمؤتمر القارة الثاني في فيلادلفيا، في مايو 1775.

ففي ذلك المؤتمر قيل بأن استكمال مظاهر الحكم الذاتي لا يمكنها إلا أن تعني الوصول إلى الاستقلال الكامل.. أما الجمع بين السيادة البريطانية وتلك المظاهر، فيشبه القول إن "المرأة يمكن أن تكون نصف حامل". وهكذا قرر الأميركيون الاستقلال التام وإعلان الانفصال.

يعنينا من ذلك، أن دعاة الاستقلال الأميركيين رأوا أن دعوتهم تستند إلى حقهم الذي لا يقبل المساومة في الحرية والمساواة، فيما رأى فيها التاج البريطاني عصياناً وتمرداً تنبغي محاربته. ومثلما حدث بعد قرابة القرنين من إسرائيل مع الفلسطينيين عند إعلانهم الاستقلال عام 1988، فقد سخر البريطانيون من إعلان الاستقلال الأميركي وشنوا حرباً شعواء ضد معتنقيه.

وأثناء ثورتهم اعتمد الأميركيون أساسا على مواردهم الذاتية، لكنهم رحبوا بالعون الفرنسي والإسباني والهولندي من الذخيرة والعتاد والتموين.

ويذكر تاريخ الثورة الأميركية أن بريطانيا لم توقف أعمالها الحربية لإخماد الثورة، إلا بعد هزائم قاسية وخسائر جسيمة لحقت بها براً وبحراً. أين هذه الحقيقة من الإصرار الأميركي على إخماد المقاومة الفلسطينية أثناء التفاوض مع إسرائيل؟!

يستحضر الأميركيون سيرتهم الثورية باعتزاز بالغ، معتبرين أنهم ثاروا لتأسيس مجتمع "يحكم نفسه بنفسه". والشعب الفلسطيني يعتز أيضا بهذه الفكرة، بقدر ما يستهجن إنكارها عليه من السياسة الأميركية الراهنة.

وحين يجري التصويت على القرار المطلوب فلسطينيا من مجلس الأمن، سيخضع الأميركيون مجددا لاختبار المسافة بين منظورهم لتجربتهم الاستقلالية، ومعالجتهم لتجارب الآخرين.