يكتسب الإنسان في رحلته مع الحياة كل يوم خبرات جديدة، عبر التجارب التي يمر بها فتترك في نفسه أثراً وفي عقله فكرة وملمحاً يساهم في تكوين صورة، لتتراكم لديه المعرفة وتتعمق لتنتج خبرات إنسانية قد تكون سعيدة أو مؤلمة وفقاً لعناصر التكوين والأحداث الفاعلة فيها، فتلون رؤية صاحبها وتكوّن فلسفته في الناس والحياة معلناً عن ذاته وفكره.
فإذا ما صادفت رؤيته صواباً ترسخت وصارت حكماً وأقوالاً يخلدها الناس ويدعمها الواقع.
كما أنها تمثل خلاصة فكر وتجارب يستعين بها الفرد عند مواجهة ما أشكل عليه، وهو ما يضيف إلى حياته حيوات كثيرة عندما يعود إلى أناس قاد عاشوا تجربته أو أخرى قريبة منها، فتركوا له خلاصة جهد وعصارة فكر نادراً ما تجافيه الحكمة أو يجانبه الصواب، لذا بقيت هذه الرؤى وعاشت بين الناس.
والناس في الصداقة ألوان، منهم من يراها وهماً لا وجود له، فهذا أرسطو يعلن بعد تجارب يبدو أنها كانت مريرة «يا أصدقائي.. ليس هناك أصدقاء»! كما أن هناك من يؤمن بوجودها، ولكنه يرى أن الباحث عن الصداقة الحقيقية كالذي ينقب عن المعادن النادرة، لذا يقول هنري آدمز «إذا كان لك صديق واحد فأنت محظوظ، وإذا كان لك صديقان فأنت أوفر حظاً، فإن كان لك ثلاثة فذلك مستحيل».
وهناك الذي يرى الصداقة شراً خالصاً، وكأنه قدر علينا أن نتحمله، ولكن بحرص دائم يغلفه التوجس والترقب الدائم، قائلاً «احذر عدوك مرة.. واحذر صديقك ألف مرة، فلربما انقلب الصديق.. فكان أعرف بالمضرة»، باعتبار أنه قد اقترب منك للحد الذي جعلك بالنسبة له كتاباً مفتوحاً يمكنه قراءته دون جهد.
غير أن هناك من يضع للصداقة قواعد وأسساً يبني عليها الاختيار، وخارطة تساعدك على التمحيص في اختيار الصديق، ووضع إضاءات تبين معدنها الأصيل «فليس كل ما يلمع ذهباً»، لذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: «إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفاً * فدعه ولا تكثر عليه التأسفا.. ففي الناس أبدال وفي التَّرك راحة * وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا.. فما كل من تهواه يهواك قلبه * ولا كل من صافيته لك قد صفا..
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة * فلا خير في ودّ يجيء تكلفا».. ولا خير في خلٍّ يخون خليله، والمثل الإنجليزي الشهير يقول «عدو يجاهرك العداء خير من صديق زائف»، لأن الصديق الزائف يأتي من حيث تؤتمن فتكون الضربات أكثر إيلاماً.
إن الصداقة الحقيقة تسكن القلب وتملأ النفس، ويصدقها القول والفعل مهما كان بسيطاً بعفوية ودون تكلف، كما أنه لا بد من يوم تلقى الصديق الصدوق الذي لا يجعلك تندم على من قد سقط من حسابات صداقتك..
المهم في تقديري ألا تحول التجارب السيئة بيننا وبين السعي عن كسب الأصدقاء، والأهم هو الاحتفاظ بالصادقين منهم، فكما يقول خالد بن صفوان «أعجز الناس من قصر في طلب الأصدقاء، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم».
ولا شك أنه صائب في ذلك، لأن الصديق المقبل في أحيان كثيرة يكون خيراً من أخ مدبر، وكما تقول الحكمة الخالدة «رب أخ لك لم تلده أمك»، ذلك أن الأخوة الحقيقية لا توثق بشهادة ميلاد بقدر ما يوثقها الدور الذي تمثله في حياة كل منا، وفي هذا يقول بن المقفع «الأخ نسيب الجسد والصديق نسيب الروح، وعند العوز يكون الصديق»، كما أنه في الليلة الظلماء يفتقد البدر.
وفي تقديري أن الحياة بلا صداقة تصبح قاسية مثل الدروب الخالية من ظل الشجر في أيام الصيف الحارقة، فهي الواحة التي يلجأ إليها الواحد منا عند الهجير، ليستظل بظل محبتها، وهي المعين بعد الله حين تشتد الأزمات، فما أصعب أن يحيا الإنسان يتوجس من الآخرين وينظر إليهم بعين الارتياب التي لا ترى غير الزلل وبنفس لا تعرف للتسامح سبيلا، فشر الأصدقاء كثير الارتياب، كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
المهم هو كيف نختار الأصدقاء الذين لا يحسبون بعددهم بقدر دورهم في حياتنا، فقد يحتفظ الفرد بدائرة ضيقة من الصداقات، غير أنها تغنيه بصدق صداقتها عن الكثير من الغثاء الذي لا نفع فيه ولا رجاء منه.
ولأن الصداقة قيمة يجب الحفاظ عليها، لزم التعرف على سبل إداراتها لنستمتع بها دون صدمات أو زلات تعكر صفوها، لأن الصداقة مثل النبتة، وإن كانت بطيئة النمو، التي تحتاج إلى ري دائم، وريها أن يكون كل منا قادراً على التسامح مع من يصادقهم، وإذا كان لا بد من اللوم فليكن سراً، فالنصيحة على الملأ توغر الصدر وتجفف ينابيع الود.
كما أن تناسي هفوات الأصدقاء وإحسان الظن بهم يديمان محبتهم، وفي هذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه «لا يحل لامرئ مسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءاً وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجا».
كما أن من أهم وسائل الحفاظ على الصداقة أن يعرف كل منا أنه لا يوجد اثنان من البشر متطابقان في كل شيء، فمساحة الاختلاف قائمة لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى خلاف، حتى الصديق الحق هو من يتغافل عن بعض هنات صاحبه، لأن من أراد صديقاً بلا عيب صار بلا صديق، والمغبون في دنيا الناس من عاش دون صديق، والأشد غبناً من كان له صديق ولم يحتفظ بصداقته.
إن الصداقة من أجمل معاني العلاقات الإنسانية، وعندي أن الصديق الحقيقي هو من قد يكون سبباً في بكاء صديقه، لكنه يبكي بجواره لا أن يضحكه ويشارك الغير في الضحك عليه. ليس الصديق هو من يشاركك أيام الرخاء، لكنه الذي لا يتخلى عنك حين عوزك.. تلك هي الصداقة وهذا هو الصديق.