من المؤكد أن الشهرة الكاسحة التي يحظى بها اسم جورج أورويل، لا تعود إلى موهبته كروائي.
نعم، لقد كتب ثلاث أو أربع روايات جيدة، ولكن اثنتين من هذه الروايات نادراً ما تقرآن الآن، والروايتان الأخريان تعود شهرتهما لأسباب لا تتعلق بالقيمة الفنية لأي منهما، بل إن أشهر هذه الروايات على الإطلاق، والتي اختار رقما هو «1984» اسماً لها، قال هو نفسه عنها بعد أن انتهى من كتابتها: «فكرة جيدة، ولكني أفسدتها».
ليس هذا إذن هو تفسير الشهرة التي حظي بها أورويل، ولا يزال اسمه يتردد حتى الآن في وسائل الإعلام (رغم انقضاء 65 عاماً على وفاته)، وما زال اسمه يستخدم كصفة، فيوصف العصر أو الحكم بأنه «أورويلي»، وتوصف اللغة بأنها «أورويلية»، ويتوقع ممن يسمع هذه الصفة، أن يفهم على الفور المقصود منها.
كما لا تزال الجوائز الأدبية تنشأ باسمه، ولا يحظى بها إلا أقدر وألمع الكتاّب. السبب الحقيقي هو اجتماع عدد من الصفات في جورج أورويل، يندر أن يجتمع في شخص واحد.
إنه رجل ذو حس أخلاقي عال، وقادر على التعبير عن نفسه بوضوح تام وسلاسة جذابة (بل إن أسلوبه أيضاً يمكن أن يوصف بأنه أورويلي)، ولكن الأهم من ذلك أنه كان يتمتع ببصيرة نافذة في فهمه وتحليله للظواهر الاجتماعية والسياسية، تجعله يرى ما هو أبعد وأعمق مما يراه الآخرون، ويتوقع من الأحداث ما يظنه الآخرون مستحيلاً، بالإضافة إلى شجاعة كافية للإفصاح عما يراه ويتوقعه.
كان هذا هو سر النجاح الساحق الذي حققته روايتاه «مزرعة الحيوانات» و«1984»، حتى إنهما لا تزال تعاد طباعتهما ونشرهما بمختلف اللغات، وتقرران على تلاميذ المدارس والجامعات، ويستمر الاقتطاف منهما والإشادة بهما. ولكن من بين هاتين الروايتين، لا تزال رواية «1984» تحظى باهتمام خاص.
لقد سبق أورويل الجميع في رواية «مزرعة الحيوانات»، بتقديم التفسير (الصحيح في رأيي) لطبيعة النظام السوفييتي ودوافعه، وفي التنبؤ بمستقبل العلاقة بين الدولة السوفييتية والدول الرأسمالية (الذي ثبتت صحته أيضاً). لقد أصبح هذا التفسير مقبولاً الآن (من الجميع تقريباً)، ومن ثم لم يعد يثور الاستغراب لدى رؤية تقلب العلاقات بين الدول ذات الأيديولوجيات المختلفة، لأسباب لا علاقة لها بالأيديولوجيات.
ولكن رواية «1984» فعلت شيئاً آخر ما زال يثير الكثير من التساؤل والتعجب، ويثير، مرة بعد أخرى، التساؤل عما إذا كان يمكن أن نكون قد وصلنا بالفعل إلى هذا العالم المدهش الذي وصفه أورويل في الرواية، أو أننا سائرون حقاً في هذا الطريق، أم أن هذا كله ليس إلا خيال رجل متشائم لا يعجبه شيء! كان أورويل، كما يعرف معظم القراء، قد وصف في رواية «1984» العالم كما يمكن (ويتوقع) أن يحدث في تلك السنة، أي بعد كتابته للرواية بخمسة وثلاثين عاماً.
كان اختيار السنة عشوائياً تماماً، فقد كان من الممكن أن يختار رقماً يشير إلى سنة أبعد في المستقبل بخمسين أو حتى مئة عام أخرى، وكان يمكن طبعاً أن يختار للرواية اسماً آخر لا يحتوي على أي أرقام، كما فعل في البداية ففكر لها في اسم «آخر رجل في أوروبا» ثم عدل عنه.
ليس للرقم إذن أي أهمية في نظر أورويل، ولا في نظر غيره، ومع هذا فقد كان من الطبيعي، عندما تحل بالفعل سنة 1984، أن يطلب من بعض الكتاب والمفكرين أن يعبروا عن رأيهم في ما إذا كان أورويل قد أصاب أم أخطأ.
وأذكر أن كتاباً مرموقاً قد نشر بمناسبة حلول ذلك العالم، يضم إسهامات من كتاب ومفكرين مهمين، قدم فيها كل منهم رأيه في نبوءة أورويل ومدى تحققها، كما أذكر على الأخص إجابة المفكر الأميركي المعروف «ناعوم تشومسكي»، بأن العالم في سنة 1984 لم يحقق فقط نبوءة أورويل، بل تجاوزها بدرجة كبيرة.
إن من طبيعة التاريخ الإنساني أن تطورات مهمة للغاية في حياة الناس تتراكم بالتدريج، على جرعات صغيرة، فلا يحس الناس بأهمية ما يحدث حتى يبلغ التطور درجة معينة، فيلتفت الناس فجأة إلى خطورة ما حدث.
والأغلب أنهم حتى في هذا يحتاجون إلى أن ينبههم شخص من نوع جورج أورويل إلى ما تم حدوثه بالفعل. إني أعتقد أن التصور الأورويلي للعالم الحديث قد تحقق بدرجة كبيرة، وعلى نحو جدير بإثارة قلق شديد.
ومما يزيد القلق أن القليلين الذين يشيرون من حين لآخر إلى هذه التطورات، يذكرونها على نحو متناثر وغير مترابط، وكأنها ظواهر منعزلة لا تصدر من مصدر واحد ولا تصب في نتيجة واحدة، ومن ثم لا يمكّنون غيرهم من إدراك درجة الخطورة في ما يحدث، وحجم الكارثة التي يسير إليها العالم.
سأضرب مثلاً واحداً قد يساعد في توضيح ما أعنيه.. مما جاء في الصورة التي رسمها أورويل لعالم المستقبل، ما أسماه «جريمة الوجه»، ويقصد بها قيام السلطة بتوقيع عقاب، ليس فقط على ما قد يفعله شخص ما مما يتعارض مع أوامرها، وليس فقط على ما قد يقوله أو يهمس به، بل تعاقب أيضاً على ما قد يرتسم على وجهه من مشاعر تدل على معارضته لها.
هذه الجريمة (جريمة الوجه) أصبح الآن من السهل اكتشافها، بسبب التقدم الرائع الذي أحرزناه في تكنولوجيا التصوير.. فإلى أين يا ترى سينتهي بنا هذا العالم الحديث؟