يقف كثير من الناس موقف الدهشة من سياسات بعض الدول، وبخاصة إذا تعلق الأمر بمواقفها اتجاه الاعتداء الصريح أو جرائم الحرب، أو قضايا حقوق الناس، سياسات تخلو من موقف عملي أو معنوي ذي بعد أخلاقي - قيمي.
هل يمكننا القول إن السياسات الدولية خالية بالأساس من مواقف أخلاقية؟ هل يمكن ضرب القيم الإنسانية بعرض الحائط ؟
قال الفيلسوف الألماني كانط مرة "لو أن سعادة البشرية كلها كانت وقفا على قتل طفل واحد لكان هذا الفعل لا أخلاقيا".
عشرات الألاف من الأطفال تقضي بسبب الحروب دون أن يتحرك، أحيانا، عرق في وجدان سياسات بعض الدول. بل وتتعامل مع الأمر على إنه أمر عادي.
يبدو لي إن الإنسان الأخلاقي يقحم القيم في صعيد لا ينتمي إلى صعدها.
فعالم السياسة عموما هو عالم المصالح والغايات التي تبرر الواسطة. ويندر أن تكون للدول مواقف تقوم على منطق القيم الإيجابية آللهم إلا إذا كان هناك ضغط شعبي داخلي على هذه الدول يحملها على ذلك.
فلو أخذنا القضية الفلسطينية أنموذجا لتطبيق قولنا هذا فماذا نجد؟
إن مأساة الشعب الفلسطيني أحد أكثر مآسي الشعوب ظلما والمستمرة عبر مائة عام. هذه المأساة لم تتحول بعد في سياسات الدول الأوروبية الفاعلة وسياسة الولايات المتحدة إلى قضية ذات ارتباط بالحق والإنسانية والضمير.
كان السؤال الأوروبي منذ إنشاء أوروبا لإسرائيل هو التالي: ما المصلحة الأوروبية من وجود إسرائيل واستمرارها؟، وبالتالي، ومن وحي الجواب عن هذا السؤال تتفرع كل الأسئلة حول المشكلات الناتجة عن سياسة اسرائيل والمرتبطة بمصالح الغرب. والحال نفسها تنطبق على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية.
ولهذا تحولت قضية شعب شرد من وطنه، لاجئ في أماكن مختلفة من أصقاع الدنيا إلى قضية صراع عربي إسرائيلي ،أو في أحسن الأحوال إلى مشكلة ينظر في حلها دون أن يكترث العالم بفكرة الحق، وبالمأساة الفلسطينية التي مضى عليها قرن من الزمان. وعندي إن ترك القضية للعبة السياسات الدولية نوع من العطالة السياسية، لان ذلك يعني تركها للعبة المصالح.
ومع ذلك، وبناءا على فكرة المصلحة، يجب أن نطرح، نحن العرب، على أنفسنا السؤال التالي: كيف لنا أن ندخل السلوك السياسي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية آخذين بعين الاعتبار سؤال الغرب وأمريكا عن مصلحتهم.
و من أخطر أشكال الترابط بين المصلحة والسياسة عندما يتوسط هذا الترابط نزعة أيديولوجيا الدولة. فالدولة الأيديولوجية حين تربط مصالحها بالأيديولوجيا تفتقد عندها الى التفكير الواقعي.
ففي المصالح فقط يظل هناك حد أدنى من الواقعية العقلانية التي قد تدفع بموقف أخلاقي ما من أجل المصلحة، أما الموقف الأيديولوجي فلا يأخذ بعين الاعتبار تلك العلاقة النادرة بين الأخلاق والمصلحة، ينطبق هذا أكثر ما ينطبق على السياسة الإيرانية الحالية في العراق وسوريا واليمن.
بل ودون فهم سلوك الدولة الأيديولوجية لا نستطيع أن نواجه أخطارها اللامحدودة. وفهم العلاقة بين السياسة والمصلحة أو بين السياسة والأيديولوجيا يساعد في فهم الخطاب و فضه وكشف المسكوت عنه ،كما يساعد على الزائف في الخطاب الذي يخفي المصلة.
ولعمري إن أهم درس من دروس فهم الترابط بين السياسة والمصلحة بالنسبة لنا هو التحرر من رؤية الآخر الذي تحكمه المصالح تجاه عالمنا ومشاكلنا.
فمن مصالحنا نحن العرب أن نعيش في حال ليس فيها حروب أهلية وإرهاب من أي نوع كان، وانجاز تنمية اقتصادية وبشرية وسياسية وثقافية فهل يشاركنا الآخر مصالحنا هذه؟ وإذا لا يشاركنا فما هي مصالحه التي تقف وراء سياساته؟
بقي أن ننهي قولنا بأمر في غاية الأهمية متعلق فينا نحن العرب على اختلاف مشاربنا، ويمكن صياغته عبر الجواب عن السؤال الآتي: هل تقوم علاقاتنا البينية على مفهوم المصلحة أم على مفهوم الانتماء والمصير والقيم المشتركة ؟
جوابنا ،ودون أدنى تردد، يجب أن تقوم العلاقة على الأمرين معا، إذ تتأسس مصالحنا على المشترك بيننا، ولا يمكن الفصل بين المصلحة والانتماء.
فمن مصلحة العرب أجمعين أن يكون العراق دولة مستقرة ذات سيادة وبعيدة عن أي صراعات طائفية، لأن ذلك يلقي بظله على مجمل الحالة في المنطقة، ومن مصلحة مصر أن تكون دول مجلس التعاون في استقرار دائم وأمن إقليمي بما لذلك من أثر على دور مجلس التعاون في تنمية مصر.
وقس على ذلك العلاقات الأخرى. فليس من الحكمة أبدا أن نعزل المصالح العربية المشتركة عن واقع موضوعي اسمه العرب.
هنا يبرز الترابط بين السياسة والمصلحة والقيم المشتركة. إن ذلك لا يعني أن ليس هناك مصالح مشتركة مع الآخر مهما كان هذا الآخر، ولكن وجود المصالح المشتركة شيء والتي تعود بالفائدة على الجميع، وبين المصالح الأحادية الجانب من قبل بعض الدول والتي لا تهمها مصالحنا لا من بعيد ولا من قريب شيء آخر.
بيننا مصالح مبنية على قيم مشتركة، والإطاحة بهذه القيم إطاحة بعنصر قوة ذي نتائج إيجابية على الجميع.