سألت صديقاً ونحن نهمّ بالخروج من أحد الاجتماعات عن أمور مؤسسته لعلمي بسعة علمه وعلو قدراته وحماسه الذي لا يخبو، فكان مهماً أن أستفيد شيئاً مما قد يكونون وصلوا إليه من التطوير المؤسسي مادامت الحكمة ضالة المؤمن، فرد عليّ بجواب أضحكني وآلمني في ذات الوقت لمعناه البعيد، كنت ألحظ ابتسامة ساخرة في عينيه اللتين تشعّان ذكاءً وهو يقول: «أمورنا مثل ترضيف الخبز»

«ترضيف الخبز» هو عندما تقوم واحدة من أمهاتنا و«عيايزنا»، أمدّ الله في أعمارهن، بثني خبزة الرقاق مرات كثيرة ثم رميها في الصحن دون سبب وجيه لذلك الثني المتكرر سوى مزيد من الانشغال المرجوح، وهو ما أشار إليه صاحبي في وصفه لحال بيئات العمل .

وللأسف تكاد تجده في الكثرة الكاثرة من المؤسسات والتي ترى فيها حركةً دائبة واجتماعات لا تتوقف وتشكيلا لانهائيا لفرق العمل واللجان واللجان الفرعية واللجان المتفرّعة من الفرعية وسيلا لا ينتهي من الايميلات، لكنها من باب «أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً»، فلا معنى لكل هذا إن تمخض الجبل فولد فأراً .

وانتهى بك المطاف لتجد توصيات هزيلة مكررة وخدمات لا تحمل ثورة تطويرية للمتعاملين وشكاوى متكررة على خدمات قائمة و«كأنك يا بو زيد ما غزيت»، فلا فائدة من الانشغال والتشاغل «المصطنع» إن لم يكن في الأمور التي تؤثر فعلاً على المخرجات النهائية، ولا معنى للبدء بقوة في سباق جري إنْ كُنّا سنجري عكس المسار.

كثير من المؤسسات تعاني من معضلتين: ضبابية الرؤية وهلامية التخطيط، فالأولى تجعل القلق والتردد هو عنصر الثقافة المؤسسية الأول حيث يبدو ما حولنا كما يقول لويس كرونينبيرغر أشبه بلافتاتٍ إرشادية متعارضة لا توجد بينها جهة واضحة للذهاب إليها، فلا نعرف إلى أين نحن ذاهبون ولا لِماذا، بينما يعاني التخطيط من هلامية وتوهان سببه ومتلازمه الرئيسي غياب الرؤية الواضحة.

فتوضع افتراضات غير منطقية إما لارتجالية وضعها وسطحيته أو لتعارضها مع القدرات البشرية والمادية للمؤسسة أو غرقها في فكر أكاديمي منقول حرفياً دون ربطه وتكييفه مع حال المؤسسة وقدراتها المحدودة واحتياجات المتعاملين الفعلية لا «الظنّية» مع تلك المؤسسة.

إنّ الضبابية وعدم وجود تركيز على تصور واضح يقود باستمرار إلى سلسلة متوالية من ردود أفعال عشوائية أشبه بالانفعالات منها للمنطق تجاه مشاكل تتطور وتتعقد باستمرار لخطأ التعاطي معها بشكل مستمر.

مما ينتج عنه أن يكون أفضل ما تستطيعه المؤسسة هو «إصلاح» الأخطاء لا خلق حلول استباقية وتطويرية، فالمؤسسة ذات الرؤية الضبابية لا تعدو أن تكون كالشخص الأعمي الذي يبدو كل ما يحدث له مفاجأة، وكما أن الرؤية وحدها دون عمل لا تمثل سوى حلم يقظة فكذلك العمل دون رؤية واضحة لا يكون سوى كابوس مزعج ضرره أكثر من نفعه فكيف إذا اجتمع فقدان الاثنين معاً!

إنّ المؤسسات تحتاج لعلاج لا لعمليات تجميلية، وتحتاج أن يوجه ذلك الانشغال وتلك «الحرطمة» والأزيز الذي يملأ ردهات الممرات إلى البحث عن المشاكل الحقيقية والثغرات التي تؤثر على مخرجاتها النهائية بدلاً من الانزلاق إلى أمورٍ غيرها أولى منها.

ومنح وقتٍ كافٍ للبحث عن الأسباب الجذرية خيرٌ من التسرّع بمعالجة الأسباب الظاهرية، علماً بأنه لا يمكن لمؤسسة أن تتطوّر وهي تترنّح في وضعها الحالي دون حل أصول تلك المشاكل من جهة ورفع قدرات الموظفين إمّا بالتدريب أو التدوير من جهة أخرى ففاقد الشيء لا يعطيه مهما حاول و حَسُنَت نيّته، وكل محاولة للاستعجال بإحداث تغيير للوضع الحالي ستبوء بالفشل ما لم تؤخذ هذه الأمور في الحسبان.

وكما يقول القانون العسكري الثالث لميرفي: «ليس هناك ما هو أخطر في أرض المعركة من ضابط بيده خريطة» لأنه سيكون مدفوعاً بفضول وحماس الطبيعة البشرية الأقرب للتهوّر غير المدروس للمسارعة في استخدام ما يملك دون تمعن ومعرفة بحقيقة ما هو أمامه وما يمكن أن يكون قد تغيّر وهل قدرات من معه مؤهلة لما يريد القيام به أم لا.

نقطة أخيرة لا بد من علاجها بتأن ألا وهي الثقافة المؤسسية، حيث يلف التشاؤم وفقدان الأمل بالتحسن أجواء كثير من أماكن العمل في المستويات المتوسطة والدنيا، بينما ينتشر – وهو سبب ما قبله - في شريحة من المستويات العليا «الموات الطوعي» والتردد في القرارات خوفاً من الاخفاق وفقدان المنصب في حالة تبني نهج تغييري جريء قد يفشل لسببٍ ما.

لذا تجد في تلك المؤسسات «بياتاً أبدياً» لا تستيقظ منه إلا بأمرٍ من سُلطة عليا حتى يبدو الأمر في حلة فشله غير منسوبٍ إليهم هم، وفي بعض الأحيان تجد هوساً بإشراك آخرين من جهات أخرى لا علاقة كبيرة لها بالموضوع ولكن المهم ألا يبدو ذلك الشخص وحيداً على المشهد، تماماً كما قال ذلك العجوز لكفار قريش: «أحضروا من كل قبيلةٍ رجلاً واضربوه ضربةً واحدة فيتوزع دمه بين القبائل»!

إن الوضع ممكن الإصلاح إن تم بمقارباتٍ سليمة، والخلل القائم في بعض المؤسسات قابل للتلاشي إن تمت معالجته بصورة جذرية قائمة على سلامة الطرح وعملية الخيارات ومنطقية البرامج الزمنية، فلا بطء مبالغا فيه قد يتسبب بتلاشي حماس الموظفين للتعديل.

ولا استعجال هو أقرب للتهور قد يؤدي إلى مزيدٍ من التخبط والقرارات المتسرعة التي تكون تداعياتها مشكلة بحد ذاتها، فالمهم أن نعترف بوجود مشكلة أولاً ثم نفككها بطريقة سليمة تمهيداً لعلاجها بما يلائمها، أما حلول الـ«نص كم» والعمليات التجميلية فلن تنفع إطلاقاً ولن تكون سوى «ترضيف خبز» إلا أنه لا خبز فيها!