قد يستغرب الكثيرون سماع أن العديد من النظريات التي تستخدم في العلوم الإدارية والإجتماعية والسياسية والبيئية والنفسية ترجع في الأصل إلى أفكار أو مفاهيم أو نماذج أو نظريات علمية وضعت قبل ذلك بزمن طويل في الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء أو علوم الحياة.

نذكر على سبيل المثال لا الحصر نظرية الكتلة الحرجة والقانون الثاني للديناميك الحراري (الإنتروبي) ومبدأ الفعل الأقل ونظرية الفوضى ونظرية "الفرادة".

في سياق ما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط من تغيرات سياسية كبيرة وخطيرة نرى من المناسب أن نقارب ذلك من مدخل نظرية الكوارث. هذه النظرية هي أحدى النظريات التي تستخدم في مجال العلوم البيئية..
 حيث نشأت مُستلهمة نظرية "الفرادة" التي ولدت في خيمة الرياضيات لدراسة الحالة الحركية في المنظومات المستقرة على مدى أمد طويل والتي تتعرض لتغير مفاجىء بفعل حدوث تغيرات صغيرة في الظروف المحيطة بها.

على مستوى العلاقات الرياضية نظرية الفرادة تُعنى بتحليل التغير الذي يحدث في طبيعة الحلول للمعادلات الرياضية بسبب ظهور عوامل جديدة في المعادلات نفسها. على المستوى الكمي التغير المفاجىء له مقدار كبير جدا يقرب من اللانهاية أما زمن حدوثه فهو صغير جدا لا يمكن تمييزه عن الصفر، هذه الحالة تعرف بـ"الفرادة" Singularity يعبر عنها في المعادلات ب "دالة" رياضية.

لم يعد مفهوم الفرادة يقتصر على هذه الحالة فحسب بل أصبح يطلق على كل حالة نفقد فيها القدرة على تعريف أي متغير، فالثقب الأسود الذي يتكهن علماء الكونيات بوجوده في مراكز المجرات يتفق مع تعريف "الفرادة". كما أن نظرية الإنفجار الكبير التي تفسر نشأة الكون هي الأخرى تفترض أن الكون كله كان مُركزا في نقطة مادية واحدة كثافتها لا نهائية وأبعادها مساوية للصفر، نقطة "الفرادة".

ترجع نظرية الكوارث إلى ستينيات القرن المنصرم حين وضع أسسها عالم الرياضيات الفرنسي رينية ثوم وإكتسبت قوة وصلابة في سبعينيات ذلك القرن بالجهود التي بذلها كريستوفر زيمان. وهي طريقة جديدة في التفكير حول "التغيير" المفاجئ الذي يطرأ على منظومة ما بفعل حدث معين سواء كان هذا التغيير في الهيئة أو في السلوك أو في الأفكار.

على المستوى التطبيقي اعتبرت الزلازل والأعاصير والإنهيارات الطينية والأوبئة والحروب نماذج مثالية للكوارث لأنها تحدث فجأة وتؤدي إلى تحوّل مفاجئ غير متوقع في أسلوب الحياة العادية للكائنات الحية وترسم أكثرمن مسار لتداعياتها. وقد يصاحبها أضراراً فادحة في الأرواح والممتلكات وربما تمتد آثارها إلى خارج نطاق المنطقة أو الجماعة المنكوبة.

وفي ضوء هذه التعريف لمعنى الكارثة يخضع سقوط الأنظمة السياسية بفعل غزو خارجي أو ثورات داخلية لنظرية الكوارث لأن الخصائص العامة للكارثة تتفق مع خصائص سقوط النظام الفجائي. فالمجتمع منظومة يحكمها نظام سياسي إجتماعي شهد إستقرارا على أمد طويل يتعرض هذا الإستقرار لإنهيار مفاجىء مع مجيء نظام آخر غير معروف المعالم ليتشكل في إطاره معالم جديدة مع وجود أكثر من مسار لمآله.

 المسار الأكثر إحتمالا هو الذي يقود فيزيائيا إلى حالة الطاقة الأقل أي حالة الإستقرار إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون خاليا من الخسائر في الحالات التي نتناولها. في هذا الصدد لا يمكن أن نخضع الإنقلابات العسكرية لنظرية الكوارث لأنها لا تغير الأنظمة بل تغير الوجوه الحاكمة.

نظرية الكوارث تصلح لدراسة وتحليل الثورات في دول العالم الثالث، دول الربيع العربي بشكل خاص، خاصة أنها قد تمخضت عن حالة عدم إستقرار لا تقود بالضرورة إلى مسار واحد لمستقبل هذه الدول وذلك بسبب طبيعة التركيبة المجتمعية فيها.

في عالم السياسة الثورة تعني إنهيار نظام قائم بما يضمه من مؤسسات ونظم وقوانين وهيئات سياسية ووضعها في خانة اللاشرعية والإتيان بنظام يسن شرعية جديدة له عن طريق قوانين جديدة وتقاليد عمل جديدة وتقوده نخب سياسية جديدة. الثورة تعني تغيرا في البنية الإقتصادية ..

وما يترتب عليها من بنى إجتماعية وفكرية وعقائدية وما يرتبط بذلك من تغييرات في منظومات القيم والأعراف كأن يتم إسقاط نظام ملكي وتأسيس نظام جمهوري بدله كما حدث في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم في عدد من الدول العربية. أو تغير مفاجىء في البنية الإقتصادية كما حدث في عدد من دول أوربا الشرقية نهاية الحرب العالمية الثانية وإنتقالها من نظام رأسمالي إلى نظام اشتراكي.

سقوط نظام سياسي يفتح المجال أمام أكثر من مسار خاصة إذا كان المجتمع فيه من الإنقسامات والتجاذبات التي يختلط فيها ما هو قديم وما هو حديث ولا تخلو ساحاتها من التأثر بنفوذ خارجي.

 المسارات المتوقعة هو نشوب حرب داخلية تنتهي بتفوق أحد الأطراف وإخضاع الأطراف الأخرى لأجندته أو تراجع الرغبات بإستمرار القتال بعد أن يتكبد الجميع خسائر جسيمة ويصل إلى قناعة بعدم القدرة على الحسم والتوصل إلى توافقات سياسية أو ينتهي بما هو أدهى من ذلك وهو تقسيم البلد أو تعرضه لغزو خارجي.

والحقيقة أن ما شهدناه في العراق منذ الغزو الأمريكي وما نشهده في ليبيا وسوريا يعزز القناعات، رغم الجاذبية الرومانسية لمفاهيم وشعارات الثورة خاصة لدى الشباب، بأن الهزات الكبيرة التي تحدثها الثورات في المجتمعات قد لا تجعل ما يتمخض عنها من إيجابيات بمستوى ما يلحق بالمجتمع من أضرار مما يجعلها وسيلة قد لا تكون الأفضل في وضع الاستراتيجيات ورسم السياسيات.