ماذا كان حدث للعالم لو أنه تم قبول الشاب أدولف هتلر في معهد الموسيقى ولم يضطر للذهاب إلى الكلية العسكرية؟ ماذا لو لم يكتشف الاسكتلندي ألكسندر فليمنغ البنسلين، ولم يبتكر بيل غيتس الشبكة العنكبوتية؟ ماذا وماذا وماذا؟ هي مجرد لحظة من الزمن تقرر مجرى حياة شخص وتتحكم في مصيره بل وبمجرى حياة ملايين البشر؟

ترى من يتحكم الآن في مصير البشر للسنوات العشرين أو الخمسين أو المائة المقبلة؟ أما نحن العرب فلا يحق لنا أن نسأل عن عشرات السنين بل عن عشرات الساعات، إذ إن العربي ينام في دولة ولا يعلم إن كانت ستظل دولة حين يصحو في صباح اليوم التالي، وإن بقيت لا يضمن أن يبقى هو على قيد الحياة، وإن بقي وتناول فطوره لا يضمن عشاءه!

في عام 1945 ذهب ليو بيسمنسكي وهو أحد قادة وحدة الاستخبارات العسكرية الروسية، برفقة ضابطين من نفس الوحدة إلى مقر المستشارية الألمانية في ذلك الحين في برلين، حيث كان يقع مقر الحزب النازي بالقرب من الملجأ السري المحصن الذي شهد نهاية هتلر منتحراً قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية.

وكتب بيسمنسكي في مذكراته بعد سنوات من تلك الزيارة، أنه ورفاقه كانوا أمام مشهد غريب، فقد كانت هناك في كل غرفة مجاميع عدة من الرفوف على شكل صناديق خشبية متينة وكل هذه الصناديق كانت مرقمة.

وكان من المنتظر نقلها إلى معقل هتلر في جبال جنوب ألمانيا، أما محتويات هذه الصناديق فكانت تتنوع بين اللوحات الفنية والمقتنيات المنزلية الخاصة، ومن ضمنها الأسطوانات. وبينما أخذ رفقاء بيسمنسكي أواني فضية منقوشة من منزل هتلر كتذكار، اكتفى هو بأخذ مجموعة من الاسطوانات بسبب حبه للموسيقى.

وقد اكتشفت ابنة بيسمنسكي، أليكساندرا بيسمنسكايا، كما نشرت صحيفة «دير شبيغل» الألمانية في حينه، بالمصادفة الصندوق المحتوي على هذه الأسطوانات في صيف 1991 عندما كانت في منزل العائلة الواقع بالقرب من موسكو.

وكانت بيسمنسكايا بصدد البحث عن مضرب لكرة التنس في غرفة علوية مخصصة للمقتنيات التي لا تستخدم كثيراً عندما اصطدمت ساقها بشيء صلب، وحينها وجدت أنها اصطدمت بصندوق يحتوي على مجموعة من الأسطوانات المكتوب عليها باللغة الألمانية «مستشارية الرايخ».

وحينها دفعها هذا الأمر إلى سؤال والدها البالغ من العمر سبعين عاماً عن هذه الأسطوانات، لم يعلق الأب على الموضوع سوى بقوله، إنه كان يستمع لهذه المجموعة لسنوات عدة.

فلم يرغب بيسمنسكي بأن يتم اعتباره سارقاً، نهب ممتلكات العدو الشخصية، ولكنه أخذ هذه المجموعة لأنه كان مولعاً بالموسيقى، وعندما توفى بيسمنسكي عن عمر يناهز الستة والثمانين قررت ابنته التحدث علانيةً عن مجموعة الأسطوانات الخاصة بهتلر والتي كانت بحوزة والدها.

وتشمل على مقطوعات موسيقية على البيانو لبيتهوفن، والأوبرا الشهيرة للموسيقي فاجنر، فهتلر كان محباً للموسيقى، ولقد حضر الأوبرا معظم الأوقات خلال وجوده في فيينا.

هل ثمة علاقة بين العزف والقتل، وبين البطل والطبل. هل الوتر يذبح الكمانجا فتئن موسيقى حزينة وتبلل دموعها كتف العازف الأنيق والعازفة ذات الكتف العاري فتسيل الدموع من عيون الجمهور؟ وهل وهل؟

مؤكد أن ثمة علاقة لكنها معقدة، فأن يكون هتلر موسيقياً فإن هناك خللاً ما في طبيعة البشر، ولربما كان هتلر يريد تعويض حرمانه من دراسة الموسيقى بسماع أنين ضحاياه تصهر في أفران الموت وتدفن في بياض الثلوج وعتمة سراديب وزنازين المعتقلات الرطبة.

الهتلريون لا يولدون هتلريين. وليس بالضرورة أن يكون ابن الهتلر هتلر. لكن أن يتحول ابن القاتل إلى قاتل والضحية إلى جلاد فهذا ممكن بل وطبيعي، لكن المحصلة دمار يحدث في الكون وتشويه لقدسية الإنسان وإخلال بميزان العدل الذي هو الميزان الحقيقي لإنسانية الإنسان. في زمننا هذا ثمة تتمثل العقد النفسية التاريخية في شخصيتين، الداعشية والصهيونية.

الأولى تطرف في الارتداد إلى الوحشية تحت راية لا علاقة لها بالإسلام بل اجتزاء من تعاليم الدين الحنيف على طريقة لا تقربوا الصلاة. فالإسلام لم يأمر بذبح غير المسلم بل حض على التعامل معه بالحسنى والخلق السليم.

والثانية تتمثل في الصهيونية التي حولت ضحية هتلر اليهودية إلى هتلر يهودي يمارس بشاعات ووحشية النازية ضد الفلسطيني. وما مشروع إعلان إسرائيل دولة يهودية إلا قفزة إلى نهاية المشروع الصهيوني. ولربما.. ربما يعاني نتنياهو من عقدة الموسيقى التي تتحول إلى عزف على شرايين الضحايا!