يتجدد الحديث حول حقوق الإنسان وحقوق الأوطان واختلاف المعايير المحلية عن القيم الكونية، والضغوط الدولية في التعامل مع هذه الإشكالية.
وليس خافياً أن العديد من المنظمات العالمية غير الحكومية، أو الأهلية، كثيراً ما تلقي بكل ثقلها خلف قضية شخص أو فصيل داخل مجتمع ما، وتعتبره مضطهداً ومحروماً من حقوقه الأساسية إلى الحد الذي يدفعها للمطالبة بعقوبات صارمة على الحكومات، حتى ولو كان ذلك على حساب الأغلبية الطاغية من أبناء الشعب، وعلى حساب لحمة الوطن ذاته.
وإذا تجاوزنا عن الدور المشبوه الذي تلعبه تلك المنظمات والجمعيات لحساب دول أو حكومات أو أجهزة مخابرات بعينها، لوصلنا على الفور إلى أوجه القصور الواضحة التي تحكم عمل هذه المنظمات.
ومن أبرز سلبياتها تلك النظرة أحادية الجانب التي تقيم بها الأشياء، ويبدو أن ذلك يرتبط بشكل أساسي بهيكلها التنظيمي ومنطلقاتها الفكرية التي تعلي فقط من شأن حقوق الإنسان الفرد، حتى ولو تعارضت تلك الحقوق أو تصادمت مع حقوق وضرورات واحتياجات أمة بأكملها.
ولا تقف السلبيات عند هذا الحد، ولكن «التسييس» المتعمد للقضايا يمثل نقيصة أخرى في عمل تلك المنظمات، فإذا كان القمع من جانب الشرطة الأميركية ضد جموع الأميركيين «الأفارقة» المحتجين على ممارسات أو سياسات عنصرية، فهذا لا يندرج تحت بند انتهاك حقوق الإنسان، ولكن يتم تصنيفه عملاً مشروعاً للدفاع عن كيان الدولة، ووقف أعمال شغب غير قانونية.
أما إذا كان المشهد في مصر على سبيل المثال، وخرجت قوات الأمن لتدافع عن مؤسسات الدولة وتحمي المواطنين وممتلكاتهم في مواجهة مجموعات إرهابية أو تخريبية على مرأى ومسمع من العالم، فتلك عمليات قمعية وانتهاك لحقوق الإنسان!
ببساطة إنها المعايير المزدوجة التي تطبقها تلك المنظمات وبعض الدول الغربية، ومعها أيضاً بعض الهيئات الدولية، وفقاً لأغراض سياسية قبل أن تكون قانونية أو إنسانية، وهي بذلك تسهم عن عمد أو بجهل شديد في تدمير الأوطان وهز استقرار المجتمعات.
أليس غريباً، على سبيل المثال، تلك التصريحات التي أطلقها المحامي الأميركي كينيث روث المدير العام لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بـ«حقوق الإنسان»، وشن خلالها هجوماً قاسياً على القضاء المصري، قائلاً إنه قام خلال أسبوع واحد بإطلاق موقفين أعاد فيهما رواية التاريخ من خلال تبرئة الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتحميل ضحايا «مجزرة رابعة» مسؤولية مقتلهم.
وزعم روث أن القضاء المصري يحتجز عشرة آلاف من عناصر الإخوان المسلمين من دون أي سبب! مضيفاً: «في أسبوع المراجعة جرى تحميل ضحايا رابعة مسؤولية المجزرة، وإسقاط كل التهم عن مبارك».
وقال، إن «مبارك لم يكن بمفرده، هناك قرابة 170 ضابطاً حوكموا بتهم القتل في ميدان التحرير، ولكنهم حصلوا على أحكام بالبراءة أو على أحكام مع وقف التنفيذ»، منتقداً نيل مبارك حكماً بالبراءة في حين يبقى الصحافيون من طاقم قناة الجزيرة خلف القضبان.
وهاجم روث الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، قائلاً إنه يريد إظهار تبرئة مبارك على أنها لحظة فارقة مع الماضي، ولكنه استبعد نجاحه في ذلك، مضيفاً: «لا مفاجأة في أن الرئيس السيسي الذي أشرف على قتل أكثر من 817 شخصاً في ميدان رابعة، لا يريد محاسبة مبارك»!
أبسط وصف يمكن إطلاقه على تصريحات رئيس منظمة «هــ.ر.و»، وترجمتها بالعربية «مرصد حقوق الإنسان»، أنها صادرة عن شخص جاهل بطبيعة الحقائق على أرض الواقع، أو شخص يتعامى عن حالة عداء وكراهية محكمة بين الشعب المصري وجماعة الإخوان بعدما أذاقته الهوان، فقط لاستناده إلى مفاهيم بالية أو لرغبته تحقيق أغراض سياسية مسبقة التجهيز في دول السيادة.
ليس هذا فحسب، ولكنه يتدخل بشكل سافر في أعمال السلطات القضائية، وهي من أعمال الشؤون الداخلية الصرفة للدول، ولو فعل ذلك مع الولايات المتحدة على سبيل المثال لقطعت لسانه على الفور!
وبخصوص هذه الأخيرة، فمن الواضح أن واشنطن تصر على ترك الباب موارباً في تعاملها مع جماعة الإخوان، لتستخدمها وقتما تريد وبالشكل الذي تريد، وليس أدل على ذلك من رد البيت الأبيض لأول مرة على عريضة وقعها أكثر من 200 ألف شخص عبر صفحته المخصصة للعرائض، كانت تطالب بإعلان جماعة الإخوان منظمة إرهابية، فأكد أنه لم يعثر على أدلة تؤكد مخالفة الجماعة لالتزامها المستمر منذ عقود بنبذ العنف!
وقال الرد الصادر من البيت الأبيض على العريضة: «لم نر أي دليل يتمتع بالمصداقية، على أن الإخوان تراجعوا عن التزامهم المستمر بالسلمية منذ عقود! والولايات المتحدة لا تتسامح مع العنف السياسي من أي نوع، وتواصل مساعيها للضغط على جميع ممثلي الآراء السياسية المختلفة للدخول سلمياً إلى العملية السياسية».
وشدد البيان على أن واشنطن «ملتزمة بمكافحة الجماعات الإرهابية التي تشكل خطراً على المصالح الأميركية أو مصالح الدول الشريكة لها».
وكانت العريضة، التي أُطلقت في السابع من يوليو 2013 بعد أيام على إطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي، قد جمعت أكثر من 213 ألف توقيع، وقد طالبت بإعلان الإخوان جماعة إرهابية بسبب «تاريخها الطويل من العنف والقتل»، إلى جانب روابطها بجماعات إرهابية أخرى.
ولفت الموقعون على العريضة إلى كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب، أحد أبرز الوجوه الفكرية للجماعة، واصفين إياه بأنه «الكتاب المقدس للعديد من الجماعات الإرهابية»، طالبين من واشنطن إدراج الجماعة على قائمة التنظيمات الإرهابية «من أجل مستقبل آمن للجميع» وفق رأيهم.
ووفق رأيهم صدق الموقعون وكذبت واشنطن وتوابعها، أمثال منظمة «هـ.ر.و» التي يبدو أن مكانها الطبيعي هو إدراجها على قائمة رعاة الإرهاب وتخريب الأوطان، بزعم حمايتهم حقوق الإنسان، وهم في ذلك كاذبون، ويكفي أن نتأمل ما يحدث في الولايات الأميركية حالياً من عمليات قمع عنصري.