الإنسان كان ولا يزال القيمة التي تعتز بها دولة الاتحاد، والتي حرصت قيادتها الرشيدة على الاستثمار فيها وتطويرها، باعتبارها الثروة التي لا تنفد أو تنضب، كما أنه الصانع للتنمية والهدف منها في وقت معاً.
آية ذلك ما أكده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حين قال «إن الإنجاز الأكبر والأعظم الذي نفخر به، هو بناء إنسان الإمارات وإعداده وتأهيله ليحتل مكانه، ويسهم في بناء وطنه والوصول به إلى مصاف الدول المتقدمة».
ولأن الاهتمام بالإنسان فضيلة كلية لا تتجزأ، أو ترتبط بمرحلة دون أخرى، أو تقتصر على الطفل دون النشء، أو النشء دون الشباب، باعتبارهم محور التنمية، والتغافل عن غيرهم ممن قاموا بدورهم ثم توارت عنهم الأضواء.
فقد جاء منح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ميدالية أوائل الإمارات إلى 43 شخصية إماراتية، ممن كان لهم السبق في مختلف المجالات في دولة الإمارات، بالإضافة إلى مجموعة من أبناء الإمارات المنجزين في مجالات الابتكار والاختراعات والمبادرات المتميزة، تعبيراً عن أهمية الإنسان باعتباره ركيزة البناء.
والحق أن هذا المشهد المهيب لوطن يشكر ويقدر الأوائل والمتميزين من أبنائه، لهو كاشف بجلاء عن سر من أسرار ريادة التجربة التنموية الإماراتية، كما أنه يتطلب الوقوف أمامه طويلاً، واستخلاص ما ينطوي عليه من معان جديرة بأن يتمثلها ويقتدي بها كل مسؤول في هذا الوطن المعطاء.
لقد جاء هذا التكريم منسجماً مع رؤية القيادة التي تحرص على تبوؤ المركز الأول، وأن طموحها في هذا الدرب لا حدود له، ولا يقتصر على مجال دون آخر، غير أنها رؤية شاملة ومتكاملة تعرف ماذا تريد والسبيل إلى ذلك، وهو ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، من أن «دولة الإمارات لها طموحات عالمية في أن تكون من الأوائل عالمياً في قطاعات الابتكار والاقتصاد والسياحة والطاقة وغيرها».
كما أن روعة التكريم تأتي من الأسلوب الذي اتبعته القيادة، وهو استناده إلى الظهير الشعبي، عبر استفتاء عام شارك فيه أبناء الإمارات على مدار 15 يوماً، وهي رسالة واضحة لكل مسؤول أو مبدع أو مبتكر أو رائد في أي مجال، أن رضا أبناء الوطن عما يقوم به من إنجاز وسعادتهم به، والأثر الذي يحدثه في حياتهم اليومية، هو المعيار الذي تستند إليه القيادة في التقدير.
وهذا شكل من أزهى أشكال المشاركة المجتمعية، وباب واسع يجعل من الرضا المجتمعي هدفاً لكل ما نقوم به من أعمال، وأن نفع المجتمع يسبق كل المنافع الضيقة «فما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط».
إن هذا التكريم يقدم للنشء والشباب النموذج والقدوة من أجيال الإمارات، من خلال أشخاص بذلوا في سبيل وطنهم الغالي والنفيس، وكابدوا وتحملوا وتغلبوا على عثرات الطريق ووعورته، متحلّين بالصبر والاجتهاد، ومتسلحين بحب وطنهم والانتماء والولاء له، واختيارهم الطريق الذي جاء بتكريم القيادة لهم، وأنعم به من تكريم.
فضلاً عن أن تكريم القيادة لجيل الرواد من الأوائل، يؤكد قيمة الوفاء لأصحاب السبق الذين مهدوا الطريق لمن جاء بعدهم، وفضل السبق لا يدانيه فضل.
كما أنه يؤكد أن هذا الوطن المعطاء بقيادته وشعبه لا ينسى جيل الأوائل، وأن مرور الأيام والسنين لا يزيدهم إلا مكانة وحباً في النفس والقلب، وأن ما قدموه عصي على النسيان أو الذبول..
كيف ذلك ورواد الاتحاد، الشيخ زايد والشيخ راشد، طيب الله ثراهما، هما أول الأوائل، لأنهما أقاما دولة لا ترضى بغير المركز الأول بديلاً، ولم يكن ذلك إلا بجهد جهيد وبهمة لا تعرف الكلل أو الملل.
لذا، فإن هذا التكريم في تقديري هو ترسيخ وتأكيد لقيمة العمل ونشر ثقافته، بديلاً عن ثقافة ضربة الحظ التي لا تبني مجداً ولا تؤسس دولة، وأن التخطيط الذي يتبعه عمل هو أساس البناء.
كما أن القيمة الكبرى لهذا التكريم، أنه جاء بنفس وطني خالص في المكان والزمان، حيث المشاركة الشعبية التي تتوج بتكريم من القيادة الرشيدة على أرض الوطن وبين أحضانه هي غاية المنى، فأعظم تكريم هو الذي يأتي على أرض وطني وفي رحابه، وهو التكريم الذي لا يغني عنه تكريم العالم، ولا يكون بديلاً عنه أو مثيلاً له.
كما أنه تعميق لقيمة الولاء للوطن والذود عنه، فوطن يشكر المخلصين من أبنائه ويقدرهم، جدير بأن يحيا في قلوبنا وعقولنا، كما أنه إعلان واضح بأن مقياس المفاضلة بين أبناء الوطن، يكون على أساس العطاء له، والبذل في سبيله، والذود عنه، ورفع رايته عالية بين الأمم.
ومما استوقفني في تلك الصورة الرائعة، هذا التنوع بين المكرمين، الذي شمل المراحل السنية المختلفة، من النشء والشباب والرجال وكبار السن، ليؤكد أننا أمة حيه تتكامل فيها الأجيال ولا تتصارع، كما أن الإبداع ليس حكراً على جيل دون آخر، وتلك من سمات الأمم التي تستمر مسيرتها ويعلو بنيانها، وهذا هو حال وطننا.
ألم يدفع المؤسسون الراية للجيل الذي تربى في مدرستهم؟ فحافظوا ونموا، وانتقلت البلاد من مرحلة التأسيس والبناء إلى مرحلة الابتكار وصناعة المجد.. كما أن التنوع بين المكرمين والمكرمات يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، المكانة التي تحتلها المرأة في بلادنا، وأنها الجناح الثاني لمسيرة البناء، بعد أن انتقلت من مرحلة التمكين إلى مرحلة الانطلاق والإبداع.
كما أن التنوع في المجالات التي برع فيها المكرمون بين العلوم والآداب، لهي دلالة بالغة على أن أبناء الوطن يملكون قدرات خلاقة قادرة على العطاء والتحدي في شتى الميادين، ما يثري المسيرة التنموية الظافرة ويحافظ على ديمومتها.
إن هذه الصفحة المشرقة من تكريم الناجحين والمبادرين والمتميزين وأصحاب السبق والعطاء ومنحهم ميدالية الأوائل، لتؤكد أن أبناء الإمارات قادرون على صنع مستقبلها، وأن التاريخ لا يعرف إلا أصحاب المراكز الأولى، كما أننا قيادة وشعباً نحب هذا الوطن ولا نرضى عنه بديلاً.