هناك شيء في الثقافة المصرية (وأنا هنا أقصد الثقافة بالمعنى الاجتماعي الواسع، وليس بالمعنى الفكري الضيق)، ما يجعل مصر ولاّدة، أي قادرة على أن تنتج بين الحين والآخر موهبة فذة، وفيرة العطاء، تقدم إنتاجاً خلاباً في هذا الفرع أو ذاك من فروع الفن والأدب، فتحظى بالتقدير والحب من عموم المصريين (وربما أيضاً من الشعوب العربية الأخرى)، وتترك أثراً يصعب محوه في ذاكرة الأمة.
يحدث هذا حتى من بعض الموهوبين الذين قد لا يكونون مصريين بالمولد، فإذا أتوا إلى مصر أصبحوا مصريين لحماً ودماً، وطبعاً وعادات، ولا يمكن إلا أن تعتبرهم مصريين، مهما قالت شهادات ميلادهم أو بدا على ملامحهم، أو حتى من أسمائهم. هل يمكن أن نفكر في واحد من هذه الأسماء (أو حتى أن يفكر صاحب الاسم نفسه) وكأنه ينتسب إلى بلد غير مصر: نجيب الريحاني، بيرم التونسي، ستيفان روستي... إلخ؟
وأستطيع أن أضيف إلى هؤلاء «صباح» التي فقدناها منذ أيام قليلة، إذ كيف يمكن تصور تاريخها الفني وحضورها الطاغي إذا حذفنا تاريخها المصري؟
لدى المصريين مثل شائع يقول: «إن من شرب من ماء النيل مرة لا بد أن يعود إليه»، وقد يكون في هذا بعض الصحة، ولكن الأقرب إلى الصحة، في ما أظن، أن من شرب الثقافة المصرية لا بد أن يتخلق بها.
إن الذي يدفعني إلى هذا القول ليس التعصب البغيض أو التحيز، إذ يشهد عليه كثيرون من غير المصريين، عرباً كانوا أو حتى خواجات ممن عرفوا المصريين عن قرب، كما تشهد على صحته كثرة الأشخاص الذين ينطبق عليهم.
من بين هذه الأسماء العظيمة ذات الموهبة الفذة، أحمد فؤاد نجم الذي يكتمل في هذه الأيام عام كامل على وفاته. إنه مصري بالمولد والنشأة والولاء، كما يصعب عليّ أن أجد اسماً آخر يمثل الشخصية المصرية أكثر منه.
إنه صارخ في تمثيل الشخصية المصرية، إلى حد قد يعتبره البعض أبعد من اللازم (كما في طول اللسان مثلاً)، ولكن رجلاً بمثل موهبته وحيويته يجب أن تغتفر له مثل هذه الأشياء.
من المدهش ما يمكن أن تلاحظه من تناسق تام بين مكونات شخصية أحمد فؤاد نجم، وبين أسلوب حياته وسمات أدبه، كما أني أجد (مثل كثيرين غيري) في اجتماع كل هذه الصفات جاذبية لا تقاوم. ظل أحمد فؤاد نجم طوال حياته نحيف الجسم، رغم ولعه الشديد بالأكل الجيد.
لا تراه إلا مستقيم العود، رافع الرأس، إنه ضحوك، ولكن ضحكته ليست دائماً خالصة تماماً، بل يشوبها بعض الشك، وكأنه يشعر بأن من الخطأ أن تثق ثقة تامة بما سيأتي به المستقبل.
إن تعبيراته عن المستقبل دائماً متفائلة، سواء تعلق به هو شخصياً أو ببلده، ولكنك تشعر بأنه يقول ذلك من باب التشجيع على الصبر وعدم الركون إلى اليأس. في كل هذه الصفات أجده مصرياً صميماً، فالفلاح المصري نحيف، لا يسمح ما يأكله وما يجب عليه القيام به من نشاط جسماني، بأن يترهل جسمه، وهو يحتفل بظهور اللحم في الطعام، ولكن هذا اللحم نادراً ما يظهر له.
يعجبني في نجم إصراره الدائم على ارتداء الجلباب، إني لم أره قط بغيره، بحيث أصبح من المستحيل تصوره بدونه. إنه لا يناسب ملامح وجهه وطريقة كلامه ونوع أشعاره فقط، ولكنه يسمح له أيضاً بالجلوس على راحته، فضلاً عن إجباره لمن يحيط به من مثقفين على أن يتعاملوا معه بشروطه.
وهذا الجلباب يتسق أيضاً مع موقفه من المثقفين.. لقد اكتشف نجم بسهولة التناقض الصارخ بين مظهر المثقفين ومخبرهم، بين سلوكهم وكلامهم، فسخر مما زعموه من «تحالفهم» مع الشعب العامل، وقال إن هذا النوع من التحالف مستحيل، فالمثقف الجالس على مقهى ريش «محفلط مزفلط وكثير الكلام، عديم الممارسة، عدو الزحام.
بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح، يفبرك حلول المشاكل قوام»، أما الشعب العامل فيصفه نجم بقوله: «يعيش الغلابة في طي النجوع، نهارهم سحابه وليلهم دموع».
لم يكن من الممكن لرجل مثل أحمد فؤاد نجم أن ينافق أصحاب السلطة، سواء كان راضياً عنهم أو غير راضٍ. وهكذا فإنه انتقد حكم عبد الناصر بشدة أثناء حياته، واعتقل واضطهد في عهده، خاصة بسبب قصيدة «الحمد لله» التي كتبها في أعقاب هزيمة 1967، والتي قال فيها ساخراً: «هي الهزيمة نسينا، إننا أحرار؟ إيه يعنى شعب في ليل ذله، ضايع كله، دا كفاية بس اما تقول له احنا الثوار!»، وختمها بعبارة «وان شا الله يخربها مداين عبد الجبار».
ولكنه رثى عبد الناصر بأرق العبارات بعد وفاته: «أبوه صعيدي وفهم قام طلعه ظابط ظبط على قدنا وع المزاج ظابط... ولا يطاطيش للعدا مهما السهام صابت، عمل حاجات معجزة وحاجات كتير خابت، وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت، وإن كان جرح قلبنا.. كل الجراح طابت».انتقد نجم رئيساً بعد آخر، واعتقله رئيس بعد آخر، رغم اختلاف سياساتهم، بسبب اشتراكهم في الاستبداد، ولأن لكل منهم أخطاءه.
ولكن اللافت للنظر، إضافة إلى هذا، تجرؤ نجم على أصحاب السلطة حتى خارج ميدان السياسة والحكم. فقد عبّر بقوة عن استيائه من النفاق الذي ينهال على رؤوس أصحاب السلطة في ميدان الثقافة والفن.
من الذي تجرأ مثلاً، غير أحمد فؤاد نجم، على التصدي لسلطة أم كلثوم، عندما تساهلت النيابة العامة في حادث قيام كلب السيدة أم كلثوم بالهجوم وعض طالب مسكين كان يسير بجوار بيتها في الزمالك؟ كتب نجم قصيدة اسمها «كلب الست»، وصف فيها ما حدث للطالب المسكين واسمه إسماعيل، خاطبه بقوله: «أنت فين والكلب، أنت قده يا اسماعين؟ طب دا كلب الست يا بني، وأنت تطلع ابن مين؟».