التعليم والفكر المتطرف

النظام التعليمي في أي مجتمع له غايات سياسية واقتصادية واجتماعية وعقدية لخدمة المجتمع والدولة. ولكن قد يحدث أحياناً أن يحيد هذا النظام عن هدفه الأساس فتصبح أثاره وبالاً على المجتمع.

التعليم في بلداننا العربية أصبح اليوم قضية جدلية؛ البعض يقول إن النظام التعليمي بأكمله يحتاج إلى مراجعة شاملة حتى يتم تخليصه من ترسبات العقود الماضية وتخليصه من كل ما لحق به من شوائب، والبعض الآخر يرى أنه لا بد من إعداد القائمين على العملية التعليمية أنفسهم من هيئة إدارية وتدريسية حتى يتم تقدم العملية التعليمية. فالاهتمام بالمعلم والمربي لا بد وأن يسبق الاهتمام بالطالب.

فشباب اليوم المتطرف هم نتاج أمين لعقود من التعليم الخالي من إشغال الفكر والذي ركز على حشو الأدمغة بنوعية معينة من التعليم حتى غذت لا تتقبل سواه. وعلى الرغم من هذه السلبيات إلا أن البعض لا يرى أن هناك علاقة واضحة بين الأنظمة التعليمية التقليدية وبين المد المتطرف.

والدليل على ذلك أن نسبة كبيرة من المحاربين الأجانب في الشرق الأوسط، كشباب داعش مثلاً، قد جاءوا من البلدان الغربية والتي تميزت بنوعية متقدمة من التعليم وعلى الرغم من ذلك تحولوا إلى إرهابيين يحملون فكراً متطرفاً ونبذاً مخيفاً للآخر.

بالطبع كذلك لأن هذه الفئة من الشباب بالتحديد هم من نتاج المدارس الدينية الشرقية في الغرب تماماً كالطلاب الذين يتخرجون من المدارس الغربية المنفتحة في بلداننا، فكليهما يحمل التوجه نفسه الذي زرع فيه خلال سنوات عمره الغض.

الاهتمام بمراجعة النظم التعليمية وأساليب التربية والتعلم الحديثة ليس بالجديد على دول الخليج.

فجميعها أدركت وحتى من قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر أهمية مراجعة الأنظمة التعلمية وبالخصوص المناهج الدراسية بعد أن ظهرت بوادر الخلل في تلك المناهج أولاً على شكل بطالة في سوق العمل ومن ثمة على شكل فكر متطرف لا يقبل الآخر ونظرة أحادية للإسلام لا تقبل القسمة.

وعلى الرغم من أن الجهود الجدية لدول الخليج في مراجعة النظم التعليمية على ما يبدو كانت غير كافية.

فالأحداث المتلاحقة التي شهدها القرن الحادي والعشرين ومد التطرف الذي خرجت حدوده إلى أبعد مدى والبطالة التي شاعت بين خريجي الجامعات كانت دليلاً كافياً على أن جهود مراجعة الأنظمة التعليمية تحتاج إلى عقود طويلة حتى تتخلص من ترسبات العقود الماضية تماماً كما يحتاج مقاومة الفكر المتطرف إلى تكاتف دولي كبير بعد أن مد ذلك الفكر جذوره إلى قارات العالم كافة.

فمن يتابع الأحداث العالمية يدرك أن معظم الدول المتقدمة قد أدركت تلك العلاقة بين التعليم والفكر المتطرف وتم عقد الاجتماعات الدولية بين خبراء التعليم وبين الخبراء الأمنيين لمنع المدارس والجامعات من التحول إلى بيئات حاضنة ومولدة للفكر المتطرف أو أن تكون أماكن لتجنيد المزيد من المتطرفين.

وقد أدرك الخبراء أن تلك الجهود تحتاج إلى الكثير من المساندة من قبل جهات عدة حتى تصبح عملية مقاومة المد المتطرف ممكنة، فمقاومة الإرهاب والتطرف تحتاج إلى مساندة الجهات الأمنية والاجتماعية والثقافية والدينية حتى تصبح العملية شاملة.

ولكن كيف يمكن مقاومة الفكر المتطرف والتصدي له؟ بالتأكيد ليس عن طريق القوة ولكن عن طريق التعليم الصحيح والتنشئة السوية والتوعية السليمة. فالخبراء الأمنيون يرون أن هناك بعض العوامل التي تدفع نحو تبني الأفكار المتطرفة منها تفتت الهوية الوطنية والاستقطاب الداخلي في المدارس والجامعات والبطالة وغياب بعض مفاهيم العدالة الاجتماعية.

لذا فإن العمل على إزالة تلك العقبات ومنع استخدام المدارس والجامعات والجمعيات المجتمعية من التحول إلى أماكن لترويج الكراهية والعنف ونبذ الآخر المختلف في الدين والفكر والمعتقد هي قضايا ضرورية لمقاومة المد الأصولي.

كذلك من الأسباب التي يراها المختصون ضرورية لعمل توازن في نفسية الشباب هي الأنشطة الثقافية كالرياضة والثقافة والفنون الضرورية لإثراء الذائقة الفنية وبالتالي عمل نوع من الموازنة في نفسية الشباب. من جانب آخر تشجيع الشباب وإعطائهم دوراً أكبر في صنع القرار الحياتي الخاص بهم هي عملية مهمة للدعم النفسي وبث روح الانتماء والولاء.

فقلة احترام وتقدير الذات بين الشباب وتفتيت الهوية لها دور كبير في إلهاب الشعور السيئ والتوجه السلبي نحو العنف، كذلك غياب روح النقد والحريات المدنية لها دور مهم في دفع الشباب للبحث عن وسائل أخرى للتعبير عن الذات.

وأخيراً تطوير المناهج الدراسية والتربوية التي تحمي الطلاب من الوقوع في براثن التطرف العنيف والتأكيد على نقل بعض المفاهيم الإيجابية عبر الثقافة المحلية عند تطوير السياسات التعليمية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات