يعرف الكائن من وجهه، أنه الهوية التي خلق عليها، في الوجه تكون أنت أنت ولا أحد سواك، شكلك الذي عرفك فيه الناس، وعلائم الزمن في سيرورته لا تمحي ملامحك الدائمة، يحضر في الذاكرة، يوحي بانطباع، يتفاعل مع أحاسيسك، مع شعورك، مع غضبك وارتياحك، مع فرحك وحزنك، مع رضاك وقهرك، مع سعادتك وارتياحك. وجهك طلتك الأولى، هو التماعة عينيك، فمك ولسانك، وانفك.

أطلق عليه الناس مرادفات عديدة: الفلاحون يسمونه صباحا، والشعراء يسمونه المحيا، وآخرون يسمونه طلعة، وتواضعت العرب على تسميته بالخلقة، وصورة. لست في صدد تعداد معاني الوجه ومرادفاته، ولا أريد أن أدخل في نقاش لاهوتي مع من يرى ضرورة ستر الوجه بالبرقع مع من يرى ذلك بدعة.

أطروحتي هي التالية: إن الحياة المعاصرة لا يمكنها أن تتحمل براقع على الوجوه لإخفائها. دعوني أورد الحادثة التالية والتي حصلت معي حينما كنت استاذا معارا في جامعة عدن. جاءتني إحدى الطالبات تطلب مني أن أشرف على بحثها وكانت مبرقعة، فطلبت منها أن تكشف عن وجهها كي أراها.

فتمنعت عن ذلك، وسألتني عن مبرر ما أطلب، فأجبتها كيف لي أن اعرف أنك أنت أنت كلما جئت الي، وحين سأجري مقابلة امتحانك. هذا شرط غير قابل للنقاش أو اذهبي الى دكتور سواي. لكنها أصرت على أن أكون أنا مشرفها، وأصررت انا على شرطي.

فقبلت بشرطي. إنها الآن طالبة في جامعة، لديها هوية جامعية عليها صورتها ذات الوجه السافر، حرس الجامعة على الباب إن أراد أن يتأكد من تطابق الصورة مع الوجه فيجب أن يكون الوجه مكشوفا، إن دخلت قاعة الامتحان فرئيس القاعة يجب أن يتأكد ان وجه الجالسة في قاعة الامتحان متطابق مع الوجه الموجود على بطاقة الامتحان. اذا أن تكون هناك طالبة جامعية مبرقعة أمر مستحيل واقعيا.

هي الآن امرأة موظفة، مدرسة، مهندسة، محامية، طبيبة، ممرضة، تقود سيارة الخ ... كل هذا يحتاج الى الوجه بوصفه هوية. جواز السفر يحتاج الى وجه معروف، فرجال أمن المطار لا يمكنهم الثقة بامرأة مبرقعة. فالحياة الراهنة لا تحتمل بأي صورة من الصور أن يختفي الوجه عن الأنظار.

وبالتالي إن قياس الراهن على ماض قياس فاسد وهذا لا ينطبق على أمر البراقع فقط بل وعلى اغلب أمور الحياة. وقائل يقول إن هناك جملة من التقاليد والأعراف المتوارثة لا يمكن تجاهلها. وحتى قول كهذا لا يصمد أمام منطق الواقع.

فالثأر مثلا إحدى العادات السيئة المتوارثة، لكنه في ظل وجود الدولة والقانون أصبح خرقا لمنطق الدولة ولا يجوز تبريره باسم العادات المتوارثة. وقس على ذلك ختان البنات الذي هو اعتداء على جسد المرأة ومضر جدا بحياتها الزوجية ويجب التخلص منه بشكل نهائي.

وهذا التناقض بين القديم والجديد يطرح علينا مسألة في غاية الأهمية ألا وهي: هل البرهان على جواز أمر ما يعود الى أقوال بعض السلف وأعمالهم أم إلى الضرورات وتغير الأحوال؟ لذلك يجب إعادة طرح السؤال حول البرقع بصورة جديدة كل الجدة، السؤال هو: هل حياة المرأة العملية ممكنة الآن وقابلة للاستمرار والتلاؤم مع متطلبات الظهور العلني أم لا؟ إن طرح السؤال على هذا النحو يخلق أجوبة جديدة متحررة من حرب النصوص والقصص.

أجوبة من وحي الواقع وليست من وحي عالم لم يعد موجودا.

بل على أفراد المجتمع أن يسألوا أيهما أكثر أمانا للمرأة وللمجتمع ككل الوجه في حال الهوية المكشوفة أم برقع يخفي الوجوه؟ وإذ يحلو لبعضهم أن يدرج البرقع في حقل الحرية الشخصية فإنا نقول: إن أي سلوك يعرض المجتمع والآخر إلى الأذى لا يقع أبدا في حقل الحرية الشخصية فالتخفي وراء برقع ، أو استخدامه في ارتكاب الحماقات والجرائم أمر لا يقع في حقل الحرية الشخصية.

ولهذ فإن الدولة قادرة على سن القوانين التي تحول دون ذلك ودرءا للخطر ولا يكون ذلك مصادرة لحرية المرأة أو الإنسان بعامة. وكل سلوك له علاقة بالآخر يخضع، ويجب، أن يخضع لحدود القانون، كل سلوك فردي لا يسبب إذاء للآخر يقع في إطار الحرية الفردية.

فما أنت قادر على فعله في بيتك الخاص لا تستطيع فعله في مكان عام. ففي جميع دول العالم التي تعتبر شرب الخمر حقا فرديا، فإنها تمنع الشارب من قيادة السيارة، لأن الأمر لم يعد مرتبطا بالحرية الفردية بل بمدى الإيذاء الذي يتسبب بفعل قيادة السيارة من قبل الشارب للآخر.

وعليه ففي جميع الأماكن العامة لا يجوز أن يكون فيها شخص خفي لا ندري من هو. أجل الوجه هوية شخصية علنية يبعث على الشعور بالأمان والطمأنينة لدى الآخر، فلا تحرموا المجتمع منها.