الموت نهاية مؤكدة، لكن الفارق يكمن في التوقيت وفي الميت نفسه. البعض يكون موته خسارة للحياة ومكسباً للموت، والبعض العكس. فموت هتلر أو موسوليني أو شارون، لا يمكن أن يكون خسارة للحياة إذ انهم لو عاشوا فترة أطول لفقدت البشرية مزيداً من الضحايا وعم مزيد من الدمار.
فيما بالجانب الآخر، فإن الحياة تفقد الكثير من إنسانيتها بموت أناس صنعوا الحياة: غاندي، الأم تيريزا، مانديلا وآخرون. هؤلاء سخروا حياتهم للخير وللسلام ووقفوا في صف الحياة لا في صف الموت. الموت مقرر ومقدر، كذلك الحياة. لكن النقطة الأساسية هي أين يقف هذا ابن الحياة، وماذا يفعل من أجل البشر، وأين يقف ذاك ابن الشر، عدو الحياة، وكيف يجعل من نفسه أداة لتنفيذ قدر الموت.
إذ ما الصراع في الحياة سوى انه بين الخير والشر، النور والظلام؟! الموت سيد الموقف في الساحة العربية الآن يسجل أهدافاً في مرمى الحياة وبشراهة يلتهم ضحاياه من أطفال ونساء وشيوخ لا بل انه يتفنن في تقطيع أجسادهم إلى أشلاء ويتلذذ في أكلها نيئه ومطبوخة ومشوية، فآلات القتل متوفرة من قنابل وقذائف وبنادق وبراميل متفجرة وغازات سامة.
كلها متوفرة بكثرة والمائدة عربية من العراق إلى سوريا إلى اليمن إلى ليبيا، ولا ننسى فلسطين طبعاً ومنا من للأسف نسيها رغم أن الشيطان نفسه يحتلها. يقتل فيها الحب في مسرى الرسول محمد وفي مهد المسيح عيسى بن مريم! في ذروة شهوة القتل وزحمة الموتى مات الأسبوع الماضي، موتاً طبيعياً شخصيتان استثنائيتان ملأتا الساحة العربية فناً وشعراً وحضوراً على مدى أكثر من نصف قرن: صباح (الشحرورة) عن 87 عاماً والشاعر سعيد عقل عن 102 سنة.
صباح تاريخ فني وصوت عربي منحوت كأعمدة بعلبك وصرخة الروشة، صاحبة البساطة والجبنة والزيتون تكفينا والأووووف يا بو الزلف والعتابا والميجنا ومئات الأغاني التي غطت مساحة الوطن العربي وفاضت إلى حيث يوجد عربي في العالم. كانت صباح تنقل الوطن إلى هناك على جناح صوتها وتحضر المغتربين إلى هنا. صباح شربت من بحر بيروت وارتوت من ماء النيل الذي صقل صوتها فلمع كضوء نجمة لا تغيب.
عاشت معشوقة الملايين وماتت عاشقة للحياة فطال بها العمر. أما سعيد عقل الذي نبغ كشاعر منذ صباه فسمي الشاعر الصغير. شعره متخم بالرمزية وقصائده خالية من الوجع المميت. كما يتسم شعره بالفرح من دون بكاء. وقد عبر عن نفسه بقوله «في شعري شيء من الرمزية لكن شعري أكبر من ذلك، يضم كل أنواع الشعر في العالم، هؤلاء الذين يصدقون أنهم رواد مدرسة من المدارس ليسوا شعراء كباراً، الشعراء الكبار هم الذين يجعلون كل أنواع الشعر تصفق لهم». لكن ليس كما صباح، متفق عليها، فإن سعيد عقل مختلف عليه..
وذلك حين خلط السياسة بالشعر وغلّب الخاص على العام. فقد بدأ سعيد حياته عروبياً، فانضم إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وألف العديد من القصائد التي تتغنى بالشام. غير أنه بدّل مواقفه بشكل كامل، وانتقل إلى النقيض حين تبنى رؤية مضادة للعرب والقومية العربية تؤكد أن لبنان ليس جزءاً من الوطن العربي، بل إن تاريخه وتراثه الفينيقي هو الأصل، كما تبنى موقفاً معادياً للوجود الفلسطيني بلبنان؛ إلى درجة تأييده الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، فكتب في إحدى الصحف يشكر القوات الإسرائيلية على ما فعلته..
ودعا اللبنانيين إلى القتال إلى جانب إسرائيل، قائلاً إنه كان سيقاتل إلى جانبها لو أسعفته الظروف. كان عقل ينظر إلى لبنان على أنه مبتدأ الكون والحضارة. وكان من أنصار «القومية اللبنانية»، ويدافع بقوة عن «الخاصية اللبنانية»..
ويدعو إلى استخدام اللغة العامية اللبنانية، معتبراً أن المستقبل لهذه اللغة. ومع أن كثيرين ليس فقط يختلفون مع السياسي لا الشاعر سعيد عقل في هذه النظرة للعروبة بل اتخذوا منه موقفاً معادياً. لكن، إذا كانت المواقف يعلن عنها بالكلمات فربما يغفر لسعيد عقل الشاعر أنه كتب أجمل ما كتب عن مدن عربية وازنة في التاريخ العربي، وما يشفع له أكثر أن قصائده غناها صوت ملائكي، نعني فيروز:
«زهرة المدائن» و«سيف فليشهر» و«غنيت مكة» و«أحب دمشق» و«القدس في البال» و«أردن أرض العزم». من حقه علينا أن نتناسى مواقفه السياسية خاصة بعد المآل الذي آلت إليه القضية الفلسطينية منذ أول اعتراف بإسرائيل وما تلاه من معاهدات واعترافات من قبل أغلب العرب برفع علم إسرائيل أو من دون رفع العلم. وتظل فيروز سيدة الشفاعة الأولى للشاعر سعيد عقل حين تنقلنا إلى عمق الإنسان في: «يارا» و«بحبك ما بعرف كيف» و«أمي يا ملاكي» و«مُرَ بي» و«لمين الهدية».