
استقالة وزير الدفاع الأميركي جاك هيغل مؤخراً تلقي المزيد من الضوء على أزمة إدارة الرئيس الأميركي أوباما في مجال السياسة الخارجية، وهي على أية حال أزمة لم تبدأ في عهده. فاستقالة هذا الوزير تأتي في ظروف دولية تكتنفها الكثير من الملابسات حول موقف الولايات المتحدة المثير للجدل من قضايا عديدة..
لعل أبرزها ما يجري في منطقة الشرق الأوسط من صراعات في منتهى الخطورة. الاستراتيجية الخارجية الأميركية التي تتسم بالارتباك والتردد والسعي نحو انتهاج سياسات أنصاف الحلول أحرجت إدارة الرئيس أوباما إلى حد كبير وتركتها في موقف العاجز عن تقديم إجابات مقنعة يطرحها حلفاؤه في الناتو حول جدوى تبني استراتيجية تستهدف تنظيم داعش وتستبعد النظام السوري من الاستهداف.
استقالة الوزير هيغل أثارت العديد من التكهنات حول أسبابها ودوافعها، وذلك لأهمية المنصب الذي يشغله هيغل من جهة، وأهمية هويته وهو الجمهوري الوحيد في إدارة الرئيس أوباما من جهة ثانية، وكونها تأتي في ظرف خاص، حيث بدأت الولايات المتحدة تخوض حرباً غير تقليدية مع تنظيم داعش من جهة ثالثة.
ولسنا بصدد التطرق إلى هذه التكهنات التي ابتعد بعضها كثيراً عن الموضوعية إلا أن المرجح أن هذه الاستقالة تأتي كأحد تداعيات الحرب على تنظيم داعش على الرغم من نفي البنتاغون لذلك. فقد كان اختيار هيغل لوزارة الدفاع ينسجم مع أجندة الرئيس أوباما في الحد من مستوى التدخل الأميركي الخارجي والعمل على إنهاء الحرب في أفغانستان وإعادة الجنود الأميركان إلى أرض الوطن.
أما وقد تغيرت الظروف وأقُحمت إدارة الرئيس أوباما في حرب جديدة أصبح من الضروري أن يشغل هذا المنصب من تتسم رؤاه مع متطلبات المرحلة الجديدة، ويتمتع بقدرات تؤهله للسير بحذر في دهاليز الصراعات والحساسيات الشديدة الخطورة، دينياً ومذهبياً، في منطقة الشرق الأوسط.
ومع أن فترة الرئاسة الثانية تتراجع فيها عادة شعبية أي رئيس أميركي إلا أن الرئيس أوباما خسر الكثير من شعبيته على قاعدة أكثر من ملف في السياستين الداخلية والخارجية، فوفق ما نشرت صحيفة هيل التي تصدر عن الكونغرس الأميركي، تراجعت شعبيته إلى أقل من 40 %. وكان من النتائج التي ترتبت على هذا الانحسار فوز الجمهوريين في الانتخابات التكميلية التي جرت مؤخراً وسيطرتهما على الكونغرس بمجلسيه.
فعلى مستوى السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط لم تفلح الولايات المتحدة في الحد من ظاهرة الإرهاب التي تفاقمت مع ظهور تنظيمات إرهابية عديدة في سوريا والعراق وليبيا واليمن أبرزها تنظيم داعش الذي خطف الأضواء من بقية التنظيمات. فالولايات المتحدة لم تفلح في هزيمة حركة طالبان، ولم تفلح في التأثير على الدول التي تتعاطف مع بعض الحركات الإرهابية واختلطت في يدها الأوراق فيما يتعلق بالملف السوري، وأصبحت هذه اليد مشلولة رغم جبروتها.
أساليب حل الصراعات والنزاعات الكبرى حافظت على تقليديتها إلى حد كبير، فهي تستند إلى تطبيق أسلوب الصراع نفسه على طرائق تفكيرنا حول الصراع، وهو ما يجعل تفكيرنا لمقاربة الصراع صورة مصغرة للصراع نفسه الذي قد يجري في الكواليس الدبلوماسية أو في أرض المعركة أو على وشك أن يندلع فيها.
لذلك نلجأ إلى التحوط والسرية في مقاربته، ونرى بأن الحيلة والمراوغة مع الخصم وسيلتان ضروريتان بغية التغلب فيه. المدخل للحلول في الصراعات يعتمد على طبيعة الصراع وطبيعة الأجواء المحيطة به التي قد ترجح اللجوء إلى استخدام القوة أو التفاوض للتوصل إلى تسوية في أطر النظام القائم إقليمياً أو دولياً. وفي كلتا الحالتين فهناك طرف يربح أكثر من الطرف الآخر ليستتر الصراع لفترة ولينبثق مرة أخرى في ظرف آخر أكثر خطورة وتدميراً وكلفة.
الولايات المتحدة لا تعوزها الوسائل لخوض أي صراع، فهي لا تعوزها القوة والقدرات العسكرية المتفوقة كثيراً على الآخرين ولا يعوزها النفوذ والقدرات السياسية والدبلوماسية على تحشيد عدد كبير من دول العالم خلفها لخوض حروب لا تعدم إيجاد مبررات لمشروعيتها، ولا تعوزها الموارد واللوجستيات لتنفيذ ذلك.
ولكن ما يعوزها حقاً هو رؤية واضحة المعالم لمسؤولياتها الدولية، وتعوزها كذلك المعايير الأخلاقية لمقاربة هذه المسؤوليات، ويعوزها قبل هذه وهذه إرادة التوصل لحلول لا تتحدد بأطر المصالح الأميركية فحسب. ليس للولايات المتحدة إرادة سياسية لربط الحرب على تنظيم داعش بالعمل على إسقاط النظام السوري، على الرغم من أن لديها مصلحة وطنية في ذلك، وعلى الرغم من أن حربها على الإرهاب في رأي معظم حلفائها يتطلب اتخاذ موقف كهذا.
الإدارة الأميركية لا يخفى عليها أهمية ردم هذه الثغرة في استراتيجية حربها ضد الإرهاب، إلا أنه ليس من المتوقع أن تغير هذه الإدارة نهجها طالما أنها تربط بين موقفها في الملف السوري بالموقف من ملفات علاقاتها مع كل من إيران وروسيا، وتتوجس من انعكاس ذلك على الوضع في العراق وعلى المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني..
وهي ملفات لم تصل الولايات المتحدة بعد إلى القناعة بإحراقها. فالخيارات التي تواجهها إدارة الرئيس أوباما ليست مشجعة، إذ إن أياً منها لا يخلو من معضلة محرجة، فالقصف الجوي لمواقع تنظيم داعش في الأراضي السورية قد أتاح للنظام فرصة تكثيف الغارات الجوية على المعارضة التي ليست لها صلات مع تنظيم داعش، فهذه المعارضة أصبحت تدفع ثمن هجمات قوات التحالف.