تجاوزت الدولة المصرية يومين عصيبين من أيامها القلقة التي تعيشها بدرجات متفاوتة التوتر، منذ ثورة 25 يناير.. اليوم الأول الجمعة 28 نوفمبر، حيث تم وأد فتنة رفع المصاحف وإنهاء السلمية من جانب الجماعات السلفية و«الإخوان»، والثاني يوم السبت 29 نوفمبر، حيث أزمة الحكم ببراءة الرئيس السابق حسني مبارك ونجليه ومساعديه.

وعلى طريقة القفز فوق الحواجز، تخطو مصر بذلك خطوة أخرى في مخاضها الصعب نحو دولة مستقرة، ولا شك في أهمية الجهود الداخلية والخارجية التي يبذلها الرئيس عبدالفتاح السيسي، في سبيل تحقيق اللحمة الداخلية وإعادة ضبط مفاصل الدولة ومؤسساتها، فضلاً عن محاولاته الدؤوبة ومعه أعضاء حكومته، لبث الروح في عجلة الاقتصاد المصري المتعثر بدرجة أو بأخرى.

كلها خطوات هائلة ولها مدلولها الكبير نحو استعادة الدولة المصرية، ولكنها في الغالب مازالت تصب في خانة الجهاد الأصغر الذي لا بد وأن تنتقل الدولة المصرية بعده للجهاد الأكبر، وسط أجواء أكثر استقراراً أو أقل توتراً وتشنجاً، وهذا أضعف الإيمان.

والمقصود بالجهاد الأكبر هنا هو البرامج الجادة والعملية لإعادة البناء الشاملة والحديثة لكل أركان الدولة المصرية، بعدما أصابها من ترهل وتدهور على مدى عشرات السنوات، وانفلات أمني وأخلاقي وسلوكي غير مسبوق في الأعوام القليلة الماضية.

ورغم كل الجهود الأولية المبذولة والمؤشرات المخلصة على ضرورة انتشال الدولة المصرية من براثن الانهيار، فإن النجاح الأكيد قد لا يتأتى إلا بتشخيص مكامن المرض الحقيقية والاعتراف بوجودها، تمهيداً لاستئصالها بعلاج ناجز بعيداً عن المسكنات اللحظية.

وقد لا نحتاج إلى اجتهاد كبير لنقول إن هناك ثلاث دول، أو بالأحرى ثلاثة كيانات خطيرة، لا بد من استئصالها من داخل جسد الدولة المصرية وبشكل عاجل وممنهج، لأنها بالفعل تحولت إلى سرطانات خطيرة تنهش بضراوة في أركان الدولة المصرية، ولا مبالغة في التأكيد على أن خطورتها قد لا تقل عن ممارسات ثلاث دول خارجية، ترى السلطات المصرية أنها تعبث دوماً بأمنها القومي ولا تتوقف عن محاولات تخريبها من الداخل.

والكيانات الثلاثة الخطيرة التي تهدد الدولة المصرية من الداخل، متداخلة ومتشابكة تشابكاً شديداً ومعقدة أشد التعقيد، لدرجة أنها بالفعل أخذت شكل الدول عميقة الجذور وممتدة التشعب الممنهج في أرجاء ومؤسسات الدولة، وتكاد أن تكون كل منها وليدة الأخرى وشديدة الارتباط بها.

الدولة الأولى هي دولة الفساد التي ضربت بجذورها في مختلف أرجاء الدولة، لدرجة يمكن معها القول إن الفساد الممنهج أصبح عادة يومية تمارس على مستويات عدة وكأنها ممارسة مألوفة ومقبولة، وليس خافياً أن تفشي الفساد في الدولة المصرية كان على رأس أسباب ثورة 25 يناير، ولا ينحصر هذا الفساد في قطاع بعينه، بل تمدد ليصبح فوقياً وتحتياً بشكل مؤسسي، والأخطر من ذلك هو ظهور ما يمكن تسميته بالفساد المهني الذي ضرب قطاعات التعليم والصحة والنقل والخدمات العامة، فأصبحت مؤسساتها وقطاعاتها فريسة لممارسات فاسدة ومزرية، تتضح نتائجها وآثارها المباشرة في الخدمات التي يحصل عليها المواطن في كل هذه القطاعات.

وليس بعيداً عن تلك الدولة، تقبع الدولة الثانية، بل وتتحالف معها بارتباط شيطاني يثقل كاهل الدولة الرسمية التي كانت هي نفسها في مرحلة زمنية معينة المسؤولة عن إطلاق العنان لها، ونتحدث هنا عن دولة البلطجة التي ربما تضم في عضويتها الملايين من البلطجية الذين يمارسون دورهم بعيداً عن أعين القانون ورغم أنفه، وتحت سمع وبصر الأجهزة الرسمية أحياناً، بأنماط وأشكال متنوعة، فالبلطجة في مصر كادت أن تتحول إلى وظيفة ومهنة تدر على صاحبها مئات الجنيهات يومياً، ولها مواسم انتعاش مثل الانتخابات البرلمانية على وجه الخصوص، فضلاً عن الحالة الثورية التي عاشتها مصر وفتحت آفاقاً جديدة لهؤلاء البلطجية لتحقيق مزيد من المكاسب، وتحولت التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات إلى أسواق ضخمة تستقطبهم، وليس خافياً أن اعتصامات رابعة العدوية وميدان النهضة جذبت أعداداً كبيرة منهم. ومع انتشار حالة البطالة وسهولة الحصول على الأموال دون عمل، بات حزب البلطجية الأضخم في مصر من حيث العدد والوجود في الشارع الذي أصبح ينوء بهم.

أما الكيان الثالث الذي ينخر في عظام الدولة المصرية منذ نحو أربعة عقود، وتسبب في مشاكل جسيمة واضطرابات هائلة على مستويات متعددة، وأصاب المجتمع المصري بحالات صريحة من التشوه الاجتماعي والنفسي، فهو دولة التطرف والتشدد الديني على وجه الخصوص.

ومن المؤسف أن حالة السلام الاجتماعي التي طالما نعم بها المصريون وتغنوا بها، كادت أن تختفي تحت وطأة الضربات المتلاحقة لهذه التيارات المتشددة التي لم تتردد في المتاجرة بالدين واللعب على مشاعر البشر، من خلال شعارات دينية أقل ما توصف به أنها كلام حق يراد به باطل على شاكلة «الإسلام هو الحل، والحاكمية لله، والشعب يريد تطبيق شرع الله.. الخ»، وغيرها من الشعارات التي حاولت بها الجماعات المتشددة دغدغة مشاعر البسطاء، مستفيدة من انتشار الأمية وحالات عدم الوعي في قطاعات عريضة من الشعب المصري، وأيضاً مستغلة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في صفوف الشباب على وجه الخصوص.

لا شك في أن ثورة 30 يونيو 2013 قد أنقذت ما يمكن إنقاذه وجاءت في الوقت المناسب، ولكن قائدها وصاحب مشروعها الرئيس عبدالفتاح السيسي أمامه مهمة في غاية القسوة والصعوبة، حيث سيحارب دول الفساد والبلطجة والتطرف داخل البلاد، بينما مطلوب منه إعادة الأمن والاستقرار ودوران عجلة الاقتصاد، وهي بالفعل معركة مصر في المرحلة المقبلة، شعباً وقيادة.