عندما قامت الثورات العربية المعروفة باسم «الربيع العربي»، منذ نحو أربع سنوات، كانت البلاد العربية بعيدة عن تحقيق أهدافها الاقتصادية التي كنا نتبناها منذ خمسين أو ستين عاماً، وتتلخص في رفع معدلات النمو الاقتصادي، وتصحيح الهيكل الإنتاجي لصالح الصناعة التحويلية، وتحقيق درجة معتدلة من العدالة في توزيع الدخل، ودرجة معقولة أيضاً من التعاون أو الاندماج بين الاقتصادات العربية.

بل إنه في ما يتعلق بالهدف الأخير، وكانت الاقتصادات العربية، عندما قامت هذه الثورات، أبعد عن بعضها مما كانت منذ خمسين عاما، حتى صار شعار الوحدة الاقتصادية العربية أقرب إلى الحلم القديم، منه إلى الأمل القابل للتحقيق.

ولكن نلاحظ أيضا أن الشعارات التي رفعتها هذه الثورات الأخيرة، وكذلك الإجراءات التي اتخذها الحكام الجدد الذين جاءوا في أعقابها، لم تتضمن التعبير عن هدفين مهمين وثيقي الصلة بالتنمية العربية..

الهدف الأول: هو تحقيق هذا التقارب أو الاندماج الاقتصادي بين الدول العربية، والثاني: تحرير الاقتصاد الوطني من الآثار السلبية لرأس المال الأجنبي والشركات الدولية. بل نلاحظ في تطور الأحداث خلال السنوات الأربع الماضية: أولا؛ تزايد قوة الحركات ذات الانتماء الديني لا القومي.

وثانيا؛ تبني مواقف مرحبة بالاعتماد على القروض والمعونات والاستثمارات الأجنبية لتمويل مشروعات التنمية الجديدة، دون التأكيد على ضرورة تجنب ما عانينا منه في الماضي من انفتاح غير منضبط، ورضوخ زائد عن الحد لإرادة مقدمي القروض والمعونات وأصحاب الاستثمارات الأجنبية.

لقد كان من الممكن أن تثير الثورات العربية الأخيرة الآمال في إمكان وضع حد لمحنة التنمية العربية، عن طريق تبني سياسات أكثر اعتماداً على القدرات الوطنية، وأكثر استعداداً لحماية الصناعات المحلية، وأقل توجهاً إلى الخارج، سواء في تلبية مطالب الاستهلاك أو في زيادة معدلات الاستثمار، وكذلك أكثر إقبالا على زيادة درجة التقارب أو الاندماج بين الاقتصادات العربية.

ولكن لم تبد أي بادرة، طوال الأعوام الأربعة الماضية، تشجع على الاعتقاد بأننا نسير في أي من هذين الاتجاهين. ولا بد أن تعود الذاكرة إلى ما كان يحدث في البلاد العربية منذ ستين عاما، أي في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي.

فبمجرد قيام حكومة الثورة في مصر بتأميم قناة السويس 1956، بدأت هذه الحكومة في رفع شعارات الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على النفس، كما بدأت في الوقت نفسه رفع شعارات الوحدة العربية، اقتصاديا وسياسيا.

ولم تمض شهور قليلة بعد هذا حتى قامت ثورة في لبنان، وشبه ثورة في الأردن، وثالثة في العراق، وكلها كانت ترفع شعارات التحرر من سيطرة الغرب، وشعارات التوحد العربي، ثم سرعان ما أعلن في 1958 قيام الجمهورية العربية المتحدة، لتضم مصر وسوريا، إلى أن يتلو ذلك انضمام دولة عربية بعد أخرى.

ما الذي حدث للعرب بالضبط خلال الخمسين عاما الماضية ليجعلهم، ليسوا فقط عاجزين عن تحقيق هذه الآمال في التخلص من التبعية والتقارب بينهم، بل ويبدون أحيانا وكأنهم أصبحوا عاجزين حتى عن التطلع إلى شيء أفضل مما هم فيه، أو كأنهم قد فقدوا الذاكرة لدرجة نسوا معها ما الذي كانوا يريدون تحقيقه منذ خمسين أو ستين عاما؟

إن البعض يقول إننا في حاجة إلى ثورات جديدة، ولكني أميل إلى الاعتماد بأننا أحوج إلى استعادة الذاكرة، وبذل جهد لإعادة ترتيب الأولويات، أملا في أن نكتشف ما الذي ضاع منا بالضبط، وما الذي ما زلنا بحاجة إليه، رغم كل ما حدث من تغيرات في بلادنا وفي العالم الأوسع على السواء.

بعبارة أخرى؛ نحن في حاجة ماسة إلى إعادة تحديد الأهداف، أو على الأقل إلى إعادة صياغتها بما يتماشى مع ظروفنا وظروف العالم الحالية، وهذا يعني الحاجة إلى جهد فكري في المقام الأول.

إني، مثل كثيرين غيري، لم أفقد الأمل بعد، فمهما كانت عوامل الشعور بالإحباط التي أصابتنا به أحداث الأعوام الأربعة الماضية، فقد كشفت هذه الثورات الأخيرة عن تقدم فاق أكثر التوقعات تفاؤلا، في قوة المجتمع المدني، خاصة بين الشباب العربي، بما في ذلك مساهمة المرأة والفتاة العربية في العمل العام.

إن من الشيق أن نلاحظ أن نفس العوامل التي كانت لها آثار سلبية على التنمية العربية (والتي أشرت إليها في المقالين السابقين)، وأعني على الأخص ارتفاع معدل العولمة، أسهمت أيضا في إحداث هذا التطور الإيجابي المتمثل في نمو قوة المجتمع المدني، وزيادة إقبال الشباب العربي، ذكوراَ وإناثاً، على المساهمة في العمل العام.

إن هذه القوة الجديدة التي نمت بسبب ارتفاع معدل العولمة (وعلى الأخص سهولة انتقال المعلومات والأفكار)، قد تعمل هي نفسها على ترشيد آثار العولمة والتقليص من سلبياتها. قد لا يبدو هذا الأثر الإيجابي واضحاً الآن، ولكن ليس من قبيل الإغراق في التفاؤل أن نتوقع نموه مع مرور الوقت. نحن لا نأمل في إيقاف مسار العولمة، فالراجح أنه تيار يستحيل إيقافه.

إن تاريخ العولمة يكاد يكون هو تاريخ الحضارة الإنسانية نفسها، والقوى الدافعة له وثيقة الصلة بالطبيعة البشرية، وبحاجات دفينة في الإنسان، ولكن هذا لا ينفي أن تيار العولمة يمكن ترشيده وتوجيهه في اتجاه دون آخر.

لقد اتخذت العولمة في التاريخ صورة استعمار دولة لأخرى، كما اتخذت صورة انتقال المعرفة ووسائل تطوير الإنتاج من مكان لآخر. إن العولمة نفسها قد تكون حتمية تاريخية، ولكن الصورة التي تتخذها قد تخضع بدرجة أكبر بكثير للإرادة الإنسانية.