بعض الحب يستعصي على المفردات فلا تكاد تجد ما يفيه حقه ولا ما يصف حقيقته في قلبك، ولكن هذا جُهد المُقل، فنسائم المساء في بلادي أشعر بأنها تسري في خبايا الروح كما توقظ الأمل والحياة أشعة الشمس في صباحاتها الطاهرة، فلا أعرف كيف أبارك لنفسي عيدها الثالث والأربعين ولا بأي دعاء شكرٍ حقيق بأن أرفعه لرب الأرض والسماء أنْ كُنّا من أبناء هذه البقعة المباركة.

مباركة لأن القلوب قد صدقت بها منذ نشأتها الحديثة، أما تاريخها القديم فلي وقفة أخرى معه، فزايد لم يُذهِب سنواته كما يفعل بقية المغاوير من مدّعي النضال في مشارق الأرض ومغاربها في الخطب الرنانة والشعارات الفئوية والحزبية الأخضر منها والأحمر..

ولم يُفنِ أيامه في مناكفات الآخرين واختلاق حربٍ باردة ساذجة لا تعني سوى اسكات الشعوب المسحوقة والسكوت على استئثار هذا الزعيم أو ذاك بثروات البلد تحت تلك التمثيلية التي تتكرر كثيراً منذ بدايات التجمعات البشرية في التاريخ، بل أفنى وقته وجهده وتركيزه في العمل والبناء وشحذ همم من حوله للحذو حذوه من أجل مستقبل أجمل للجميع في برهان جلي بأن القائد الحق هو من يقوم بما يطالب به الآخرين.

وأنّ مكان القائد هو معترك الحياة اليومي وليس خلف قصورٍ عاجية وانسلاخ تام عن الشعوب. علمنا زايد أن المبادرة بالعمل وحدها بعد توفيق الله هي ما يخلق الفارق للأمم وأن المتقاعسين والنائمين لا فائدة ترتجى من ورائهم لأوطانهم وأهليهم فقال في قصيدة شهيرة له:

يا ذا الشباب الباني بادر وقُم بجهــــــــود

ولا تقلّد الدلهانِ لي ما وراهم فــــــــود

وتعلمنا منه بألا نتقمص دور التلميذ المطيع الذي ينتظر توجيهاً لكل شيء، بل أن يبادر الانسان ويحاول ويخطئ ولا بأس في خطئه فتلك ضريبة النجاح بأن تخطئ لكثرة الصراع مع منغصات الحياة قبل التفوق عليها، وألا نبقى دوماً أُسارى لكل خبير يدندن بكلماتٍ منمقة وأفكار قد لا تصلح إلا لقاعات المحاضرات لافتقادها الدليل العملي واستنادها إلى نظريات بحتة لم تُختبَر بعد، فكون الوردة أجمل رائحةً ولوناً من البامية مثلاً لا يعني أنها ستصنع حساءً أفضل!

وعلمنا زايد أن نتسامى عن صغائر الأمور وأن نغض الطرف عمن أساء لنا، فقانون حمورابي بأنّ العين بالعين لن ينتهي كما يقول المهاتما غاندي إلا بأن يجعل كل العالم أعمى، لذا كانت إمارات الخير دوماً ولا زالت أول من يبادر بالمساعدة ومد يد العون لكل من تقلب له الأيام ظهر المجن وتكتنفه الكوارث والمصاعب، دون التفاتٍ لسوء تعامل تلك الدولة معنا..

فالقلوب البيضاء لا تقيس الأمور بتلك المعايير الضيقة والنفوس العظيمة لا تجد الحقد والانتقام والتشفّي بآلام الآخرين لها سبيلاً. وعلمنا زايد بأنّ الشجاعة ليست بأن تكافح صعوبات الحياة وأنت تملك القدرة، بل بأن تكافحها وأنت لا تملك شيئاً على الاطلاق فذلك ما يميّز بين معادن الرجال، فعندما كان يجول في محاولاته لبناء كيانٍ مختلف خلال سعيه الذي لم يتوقف يوماً في تلك الصحاري اللاهبة والقفار المجدبة وبين قبائل متنافرة الرؤى متناحرة المسالك، لم يكن يملك ثروة أو جيوشاً جرارة أو دعماً خارجياً مؤثراً، بل لم يكن يحمل إلا قلباً محباً لأهله وعزيمة جبارة لا تهزّها المثبطات..

ولا يجرؤ اليأس على طرق بابها ورؤية طموحة يعلم يقيناً بأنه قادر على الوصول إليها، فكان مسلكه درساً مفتوحاً للجميع بأنّ المهم ألا نتوقف عن محاولات تغيير الواقع مهما تشعّبت معوّقاته، فغالباً ما يكون آخر مفتاحٍ في السلسلة هو ما يفتح الباب الموصد. وعلمنا زايد بأن نملك الجرأة بأن نختلف عن البقية وأن نختار التحليق خارج السرب إن كان ذلك السرب لن يقودنا إلا لغدٍ متجهّم ومستقبلٍ غير مأمون العواقب..

فعلى كثرة النزعات الانفصالية التي كانت تلف العالم لفّاً في الستينات والسبعينات كان زايد يلهب حماسنا للوحدة واحتواء من حولنا حُبّاً في مشاركتهم لمستقبلٍ جميل لا رغبةً في التسلّط أو مدّ الرقعة الجغرافية دون سبب إلا لارضاء غرورٍ توسعي مستهجن، فاختلفنا عن البقية وعمّ الخير ونجح الاتحاد لصدق القلوب وطيب النوايا وتكاتف الجميع وستبقى بإذن الله لأنّ أساسها بُني على خير، فعمّ الخير واستفاد من ثروات البلد الجميع ..

ولم تكن حكراً على عِلية القوم كما هو الحاصل في أغلب البلدان الغنية بالموارد الطبيعية. وعلمنا زايد أن نرفع مقياس التحدي ليكون مع دول النخبة لا مع المحيط الجغرافي المجاور فقط، فلا معنى لأن تكون أفضل السيئين، وليس الطموح بأن تكون أفضل من نفسك بالأمس بل أن تكون أفضل من الكبار أنفسهم في كل مجال..

ولا يجب أن نندم إلا لاننا لم نبدأ مبكرا فلا يكفي أن تكون على الطريق الصحيح بل لا بد أن تجري عليه قبل أن يسبقك المجتهدون، لذلك كان تركيزه رحمه الله على تطوير التعليم وتنويع مؤسساته وتخصصاته وعلى تأسيس نظام صحي متفوق وبناء شبكة بنية تحتية متكاملة قادرة على تسريع عجلة التطور واختصار المراحل للحاق بالآخرين.

هي رحلة مجد بدأها زايد الخير رحمه الله تعالى ويكملها أبناؤه من بعده، رحلة نجاح لم تزدها الأصوات النشاز إلا تماسكاً ولم تزدها كلمات المشككين والمثبطين إلا مزيداً من التألق، فحمداً لك يا رب على هذه النعمة، فلا يعرف قيمة النجاح إلا من سقط، ولا قيمة الأم الا من تيتّم، ولا قيمة الصحة إلا من تكالبت عليه الأوجاع، ولا قيمة الوطن إلا من رمته الأيام في دروب التشتت وأزقة الضياع والذل واستجداء رحمة الآخرين.