مصر والإمارات.. بين الثقافة والسياسة

ت + ت - الحجم الطبيعي

في لقاء أقيم في القاهرة، أشرف عليه نادي دبي للصحافة، جمع بين رئيس الوزراء المصري المهندس إبراهيم محلب، ووزير الدولة الإماراتي د. سلطان الجابر، بحضور لفيف من إعلاميي البلدين، تحدث كثيرون من مواقع متباينة وفي مناحٍ شتى، ليؤكدوا حقيقة واحدة، وهي أن العلاقات المصرية- الإماراتية صارت أقرب إلى البداهات في السياسة الخارجية للبلدين.

وقد ترسخت هذه العلاقة عبر أكثر من أربعة عقود، ولكنها اتخذت عملياً سمات «تحالف سياسي»، طيلة العام ونصف العام الماضي، حيث شكل البلدان ومعهما السعودية، مثلثاً استراتيجياً أخذ يجسد وجهة النظر العربية العامة، في كثير من قضايا الإقليم الساخنة، التي فجرتها عاصفة الربيع العربي.

هذا المثلث يذكرنا بالمحور الثلاثي الذي تشكل مطلع تسعينيات القرن العشرين بين مصر والسعودية وسوريا، في لحظة تيه عربي أعقبت حرب عاصفة الصحراء وتحرير الكويت.

تمثلت الأهداف الرئيسة للمحور القديم، في ضبط الجغرافيا السياسية العربية، وملء الفراغ الذي خلفته هزيمة القوة العسكرية العراقية على الجبهة الشرقية، وكذلك إدارة الصراع حول العراق نفسه، للحفاظ على تماسكه الوطني وبعده العربي.

وقد نجح أحياناً في إنجاز بعض هذه الأهداف، كما لعب دور خط الدفاع الأخير للتماسك العربي في كثير من الأوقات، إلا أنه عانى تدهوراً شديداً في سياق المجابهة بين ما عرف بتيار الممانعة، الذي ضم الذي ضم ايران وسوريا، مع حركة حماس وحزب الله، وبين تيار الاعتدال الذي اقتصر آنذاك على مصر والسعودية ومن خلفهما الأردن، وذلك قبل انفجار هذا المحور تماماً، بل والوضع العربي برمته، مع عاصفة الربيع العربي مطلع 2011، خصوصاً في مصر وسوريا.

أدت هذه العاصفة إلى صعود التيارات الدينية في سياسات معظم البلدان العربية، وإلى حكم الإخوان المسلمين في مصر، حيث انفجرت اضطرابات هنا ودارت حروب هناك، فاختلطت أوراق الإقليم بشدة، وتحولت سوريا من حال القطب الفاعل في الشأن العربي، إلى حال المفعول به.

وعاشت العلاقات المصرية مع دول الخليج أزمة كبيرة في ظل حكم الإخوان، كما عاشت مصر نفسها لحظات خطر كبيرة في أعقاب 30 يونيو، الذي أنهي حكم الإخوان ولكنه أدخل مصر في شبه قطيعة مع جل دول العالم، وجعلها عرضة لضغوط دولية وأميركية عديدة، كما عرضها لهزات اقتصادية طارئة، زادت من أزماتها المالية الموروثة.

وهنا كان الدور السعودي - الإماراتي حاسماً في تقديم الدعم السياسي قبل المادي، على نحو أسهم جوهرياً في تجاوز مصر لعنق الزجاجة، وخلق توحداً فعلياً في استراتيجيات الحركة السياسية بين الدول الثلاث، على نحو أسهم إيجابياً ليس فقط في تعاطي مصر مع أزمتها، ولكن أيضاً في التعريف بوجهة النظر العربية العامة في المعركة مع الإرهاب.

سواء عبر اندراج الدول الثلاث في التحالف الدولي المنهمك في سوريا والعراق، أو في التنسيق الثنائي بين مصر والإمارات أو بين الإمارات والسعودية، ما قد يمثل مدخلاً سليماً لتخفيض التوتر في عموم المنطقة، وبداية تكوين جبهة عربية أوسع ضد جماعات التطرف الديني ومنظمات الإرهاب المسلح.

في سياق هذا المحور القائم عملياً، أو الجبهة المتصور قيامها مستقبلاً، تحتل العلاقات المصريةـ الإماراتية أهمية مركزية، تنبع من أمرين أساسيين يضمنان رسوخها، وإمكان تطورها:

الأمر الأول: هو أن التوافق الراهن بين البلدين ليس طارئاً ولا عابراً، بل هو انعكاس لمزاج متجانس، فطالما كانت الإمارات لاعباً سياسياً شفافاً، من النوع الذي يستهوى مصر، فهي دولة لا تعرف المؤامرات، ولا تسعى للتدخل في شؤون الآخرين، بل لعلها إحدى أكثر الدول قدرة على تقديم المساعدة بأريحية شديدة، من دون شروط تمس السيادة.

وهكذا كانت مصر، خصوصاً أيام عزها ومجدها، وسوف تبقى، لاعباً شفافاً يقوم بدوره في النور، يتحمل أعباءه بلا من أو مزايدة على الآخرين، انطلاقاً من شعور مصري عميق بالمسؤولية الحضارية تجاه الأمة العربية كلها.

والأمر الثاني يتمثل في التناغم الثقافي، حيث العلاقة الرسمية ترتكز على علاقة شعبية هي الأكثر مثالية بين أي بلدين عربيين، فالمصريون الذين زاروا الإمارات أو عاشوا وعملوا فيها، لم يشعروا قط بالغربة بين شعبها الذي يجمع بين رقي وتهذيب نمته ثقافتهم الحديثة المكتسبة في العقود الماضية، وبين أصالة عربية موروثة في تكوينهم إلى درجة تلمسها العين المجردة، ما يجعل مجتمعها منفتحاً ومتسامحاً مع حال التعددية الثقافية.

والحال نفسه ينطبق على الإماراتيين في مصر، التي مثلت دوماً مجتمعاً متفتحاً وعصرياً، يتمتع بمزاج ثقافي معتدل ومتسامح، تتعايش فيه أنماط الحياة المختلفة، سواء المتحررة جداً أو المعتدلة أو المحافظة لدى بعض البؤر المجتمعية.

خصوصاً في الجنوب المصري، وهو مزاج سوف يستمر رغم هبوب الهجمة الأصولية الراهنة التي تبقى سطحية، الأمر الذي يجعل من العنصر الثقافي سنداً لعلاقات سياسية راسخة وفعالة، يمثل الاستثمار الشامل فيها عملاً آمناً ومربحاً على المدى الطويل.

 

طباعة Email