تبقى ليوم 17 نوفمبر أهميته الخاصة في تاريخ الصراع العربي/ الإسرائيلي، فقد شهد هذا اليوم قبل 37 عاماً، زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات لإسرائيل، والتي اصطلح في العواصم المؤيدة لها على تسميتها بمبادرة السلام.
وبداية تجدر الإشارة إلى خصوصية شهر نوفمبر بالنسبة للصراع المذكور، وفي القلب منه القضية الفلسطينية، وسوف نكتشف أيضاً تلك المعادلة الحسابية الغريبة المرتبطة بالرقم (7) ومتوالية الحدث كل ثلاثين عاماً.
ففي نوفمبر 1917 صدر وعد بلفور المشؤوم بمنح اليهود وطناً قومياً في فلسطين، وبعد ثلاثين عاماً، وبالتحديد في نوفمبر 1947 صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم فلسطين إلى دولتين، فظهرت الدولة اليهودية بينما لا تزال الدولة الفلسطينية في علم الغيب.
وبعد ثلاثين سنة أخرى وفي 17 نوفمبر 1977 جاءت مبادرة السلام. وتلك المعادلة الرقمية بالتأكيد هي محض مصادفة، وليس هناك ما يؤكد أن ترتيبات قد وضعت لتسيير الأحداث في هذه التواريخ، ولكن ستظل لشهر نوفمبر خصوصيته بالنسبة للقضية، لأن فيه أيضاً رحل عن دنيانا الزعيم الفلسطيني التاريخي ياسر عرفات (أبو عمار) عام 2004.
وتأتي ذكرى رحيل عرفات ومبادرة السلام هذه الأيام، في وقت تتعرض خلاله القضية الفلسطينية لمرحلة مفصلية حرجة، نتيجة العدوان الإسرائيلي المتصاعد على القدس والمسجد الأقصى والأراضي المحتلة بشكل عام..
فأي سلام حملته مبادرة السادات وزيارته لإسرائيل في ضوء المشاهد المتتالية أمامنا الآن؟ إجابة هذا السؤال أو بمعنى أدق التساؤل، تفتح الباب مجدداً لمناقشة جدوى مبادرة السلام وحصاد 37 عاماً تبعتها.
وربما جاءت مقدمات الإجابة بعد أشهر من المبادرة واتفاق السادات وبيغن على إقامة السلام، واعتبار حرب أكتوبر 1973 آخر الحروب.
ففي بدايات 1978، أي بعد أشهر قليلة من المبادرة، اجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان وألحقت به دماراً واسعاً، وبعدها بأشهر أعلن بيغن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وفي يونيو 1981 وبينما كان مجتمعاً بالسادات في شرم الشيخ، كانت الفانتوم الإسرائيلية تدك المفاعل النووي العراقي «أوزيراك»، وفي سبتمبر 1982 وقع العدوان الهمجي الإسرائيلي على كل الأراضي اللبنانية، وصولاً إلى احتلال بيروت وإخراج المقاومة الفلسطينية في رحلة شتات جديدة إلى اليمن وتونس.
ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل بلغت العربدة الإسرائيلية حد ضرب وتدمير مقار قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في حمامات الشط في تونس العاصمة، واغتيال القيادات الوطنية الفلسطينية، وفي العام ذاته (1986) تواصلت الهمجية الإسرائيلية في مواجهة أطفال الحجارة الذين غيروا الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية.
وفي التسعينيات لم تتوقف الاعتداءات الصهيونية، وكان من أبشعها مجزرة قانا 1996 ضد مئات المدنيين الأبرياء في جنوب لبنان..
لتستمر الهمجية والعدوانية مع بدايات القرن الجديد، وخاصة بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية بين عرفات وباراك وكلينتون، والتي انطلقت بعدها همجية السفاح شارون باقتحامه المسجد الأقصى وشن حرب ضروس ضد الفلسطينيين منذ 2001، تم خلالها اغتيال قيادات فلسطينية تاريخية من مختلف الفصائل، وارتكب مجزرة جنين التي راح ضحيتها 500 فلسطيني على الأقل، وحاصر عرفات في مقره في رام الله حتى مرضه وخروجه الأخير في رحلة الموت، لتواصل إسرائيل عدوانيتها على المحيط العربي، بالحرب على لبنان 2006، وشن ثلاث حروب مدمرة على غزة حتى الصيف الماضي، كما تقوم بعمليات عدوانية في أي مكان تستطيع الوصول إليه.
هذا السرد الطويل لبعض مشاهد العدوانية الإسرائيلية منذ مبادرة السادات عام 1977، يؤكد أنها كانت تفكر في نوع من السلام يحقق لها السيادة والتفوق الدائم.
وبعد ذلك قدمت الدول العربية ما يكفي لإقامة سلام حقيقي في المنطقة يعطي إسرائيل الحق في الحياة داخل حدود آمنة، ولكن إسرائيل كانت لها حسابات مختلفة، ومن الواضح أنها كانت ترغب في ترتيب أوضاع المنطقة برؤيتها الخاصة، وبالتعاون مع أطراف عالمية كبرى.
وربما حرص بيغن على إخراج مصر من معادلة الصراع العربي/ الإسرائيلي (عسكرياً على الأقل)، وفي مراحل لاحقة تدمير جيوش سوريا والعراق، وهو ما تحقق ويتحقق بالفعل على أرض الواقع، حيث تأكل المنطقة نفسها بنفسها وتمارس تدمير الذات، والمستفيد بالقطع هو إسرائيل بمثل هذه الهدايا المجانية.