تقديس المدنس ونشوة الأضداد!

ت + ت - الحجم الطبيعي

تحدثنا في المقال السابق عن نزوع المجتمعات المعاصرة إلى تدنيس المقدس، أي نفي المعاني السامية والمتجاوزة الكامنة في الدين، وتحويله إلى طقس عادي يخضع للقواعد الدنيوية نفسها.

واليوم نتناول نزعة مضادة نحو تقديس الدنيوي، من خلال بث نوع من السحر وقدر من القداسة في بعض النشاطات الدنيوية، ولكنها قداسة من أفق إنساني، غايتها ليس السعي إلى عبادة كائن أسمى، بل تلبية لحاجة الكائن الأدنى (الإنسان) إلى مصدر للطاقة النفسية، قادر على حفز حركة الأفراد منفردين، وعلى لصقهم بمجتمع مشترك انسحب منه وضمر فيه الإيمان التقليدي.

قد يكون المصدر مفهوماً فلسفياً مؤسساً كالتنوير أو كالحرية، تضعه المجتمعات الأكثر حداثة، موضع التقديس، فوق كل شيء آخر حتى الدين نفسه، كما هو الأمر لدى المجتمعات الغربية المعاصرة. فباسم التنوير جرى إخضاع النص الديني لسلطان العقل وتأويلاته، وهو موقف تاريخي، وباسم الحرية جرت ولا تزال تجري الممارسات الإلحادية ويعلن القول المنكر للألوهية، وهو موقف إشكالي.

وقد يكون هذا المصدر مفهوماً سياسياً تبجله المجتمعات، كالوطنية والقومية والأمة، ولهذا تبجل مفكريها وفنانيها الكبار الذين يرسمون لها معالم «شخصيتها القومية»، ويصوغون السرديات الطويلة عن «تاريخها الحضاري»، أو ينشدون الملاحم التي تحكي عن «أمجادها القديمة».

بحيث تتحول مثل هذه المفاهيم السياسية إلى ما يشبه المعتقدات، فتصير أعلام الدول بمثابة منارات، وكأنها مآذن حديثة ترتفع فوق كل الشرفات وعلى كل المؤسسات الوطنية، وليس على المعابد والكنائس والمساجد.

كما تصبح الأناشيد الوطنية وموسيقاها المصاحبة، كأنها ترانيم كنسية أو تراتيل قرآنية، تشنف الآذان وتثير الخشوع في جموع المواطنين، وكأنهم أمة من المؤمنين. أما من يتجرأ بالخروج على تلك المعالم والطقوس والترانيم، فتلاحقه تهمة الخيانة، باعتبارها مروقاً من الوطنية، والتي صارت تفوق الاتهام بالإلحاد باعتباره خروجاً على الإيمان.

وهكذا يعود الدين ليؤكد مركزيته التي لا يمكن لأي مجتمع أن يتخطاها، فإذا مات دين تقليدي نشأ دين حديث بديلاً عنه، وإن لم يكن هناك دين وحي/ سماوي، كان هناك دين طبيعي/ إنساني، أو حتى دين وثني/ تعددي. وإن لم يكن هناك دين متجاوز/ متسامٍ/ غيبي، كان هناك دين دنيوي/ إنساني/ عقلي، معادل له، يلعب دوره نفسه، ويقوم بوظائفه ذاتها.

وفي هذا السياق تزدهر طقوس دنيوية محدثة، قادرة على إشاعة النشوة النفسية لدى الجمهور الذي يتلقاها أو يشارك فيها، كالطقوس الرياضية، خصوصاً مباريات كرة القدم، حيث يحتشد بشر كثر في مكان واحد، ينتظرون ساعات طويلة لمشاهدة لاعبين يتنافسون معاً، بإصرار غالباً وبعنف أحياناً، توقاً إلى التفوق دائماً.

فتتعالى الأصوات بالمديح والهجاء، وتلتهب الأيدي بالتصفيق من قبل شخص أنفق ماله ووقته فقط لمجرد الشعور بنشوة انتصار، أو حتى نشوة المشاركة في الطقس نفسه الذي يمارسه الآخرون.

وكأنها رحلة حج حديثة بديلة للطقس التقليدي المعروف في شتى الأديان، يقوم به أناس فقدوا القدرة على الشعور بنشوة المقدس، إنكاراً أو إهمالاً أو نسياناً، داخل عالم يتسارع إيقاعه وتنمو ماديته، ولكنهم لم يفقدوا الحاجة قط إلى التلاحم والتفاعل معاً، وإلى خلق معانٍ قريبة (إنسانية) لحياتهم، بديلاً عن المعنى النهائي (الإلهي) لتلك الحياة.

وتزدهر أيضاً الطقوس السياسية، وعلى رأسها الحركات الثورية، فالحماس الثوري هو مشاعر دينية في الصميم، لكنها أخذت طابعاً دنيوياً، إذ بدلاً من انتظار المؤمنين الأبرار (الخجول) للحياة الفاضلة في الجنة أو ملكوت السماء، يسعى الثوار الأحرار إلى تجسيد تلك الحياة الفاضلة الآن، وعلى هذه الأرض.

كما أنهم يستعيرون رغبتهم في التضحية على مذبح الأوطان، من روحانية الجهاد في مواجهة الأعداء والكفار.

وأخيراً فإنهم يبنون تضامنهم المشترك، بحسب قدرتهم على تمثل ما في الدين من قدرة على تكتيل الإرادة الجماعية لقطاعات واسعة من البشر، بتأثير مشاعر الأخوة في الله بين أمة المؤمنين، فهؤلاء يتضامنون تحت راية الوطن، وأولئك تحت راية الإيمان.

هؤلاء لإعادة بناء وطنهم بالصورة التي يحلمون بها بعد أن أرهقه المتسلطون عليه، وأولئك لنشر دينهم الذي يعاديه الكافرون به، أو لاستعادة إيمانهم الذي أفسده عليهم المنافقون.

وتزدهر كذلك الطقوس الفنية: المهرجانات السينمائية، معارض الفن التشكيلي، المسارح الكبرى، والرقص كطقس نفس ـ جسدي، سرعان ما يشعر القائم به بنوع من الذوبان يزول معه الحاجز بين كيانه المادي/ الجسدي، وبين كيانه الروحي/ النفسي، حيث يتبادل الكيانان التأثير، ويدفع كل منهما الثاني إلى حالة انتشاء أعلى.

إن الأمر هنا يكون أقرب إلى الرياضة الروحية التي نبعت منها فكرة اليوغا، والتي تقود إلى حالة النيرفانا البوذية حيث تحدث حالة الاستنارة عندما تسيطر الروح على الجسد، ويفنى الإنسان في روحية الكون الكبرى.

غير أن الرقص كطقس فني لا يهدف، على عكس التنسك البوذي، إلى فناء الجسد، بل إلى تناغمه مع الروح، ليكتسب خفتها ورشاقتها، كما تكتسب هي حضوره وفعاليته. إنها النشوة التي يصنعها اتفاق الأضداد وتعادلها، عندما تكشف الأشياء المنفصلة والمتناقضة عن وحدة غير متوقعة.

إنها الوحدة التي كانت تتحقق في الدين عبر اللقاء بين الإلهي والإنساني، المقدس والمدنس، وصارت تتحقق، في المجتمعات المعلمنة عبر اللقاء بين المدنس والمدنس، والإنساني بالإنساني، كأنها لهب من نار يشتعل بفعل احتكاك حجرين باردين.

 

طباعة Email