تنتظر الأم ومعها باقي أفراد العائلة، المولود الجديد بشوق.. طيلة فترة الحمل تبني الأم الأحلام لتضعه في حضنها وتربيه على أكمل وجه، ولكن تتبدد هذه الآمال وتتحول إلى آلام لوجود علة في هذا المولود.
فتتحول هذه العائلة في ليلة وضحاها إلى عائلة مشتتة التفكير، يغمرها الحزن لعدم تقبلها فكرة أن فرداً من أفرادها يندرج تحت مسمى «ذوي الاحتياجات الخاصة».
ويتبادر إلى أذهان البعض أن هذا الطفل لا يشعر بسبب إعاقته، فيتم التعامل معه بعدوانية وعزله عن العالم الخارجي وكأنه حمل ثقيل على الأسرة، فالمجتمع العربي مجتمع محافظ ومترابط يهتم بسمعة العائلة، وردة فعل المجتمع تنعكس سلباً على الصحة النفسية والعقلية للابن المعاق.
والمؤسف أن بعض الأزواج يلقون اتهامات مشتركة لعدم الرغبة في تحمل مسؤولية كبيرة كهذه في رعاية هذا الطفل، مما يزيد الضغط والغضب على الشخص الذي يتحمل كامل المسؤولية.
خالد طفل من ذوي «متلازمة داون»، قليل الكلام يشعر أحياناً بالأسى لإهمال أمه له، فهي دائمة التفريق بينه وبين إخوته الأصحاء. معظم إخوته غير مدركين لما يختلج في صدره من حزن لكثرة الاستهزاء منه أو اجتنابه والابتعاد عنه.
في يوم خرج خالد من خلوته المعتادة، فنظر إلى نفسه ثم ردد عبارات ممزوجة بالبراءة والعفوية على أمه التي لا يفهم أسباب سخطها الدائم: «إنك ما تزالين غاضبة مني يا أمي.. ماذا فعلت؟ ولكن صدقيني لم أكن أقصد»! اكتسى وجه الأم بمسحة من الجدية، تأففت وغادرت المكان من غير أن تلقي له بالاً.
الأم هي نبع الحنان المتدفق والأكثر احتكاكاً بالطفل، فيجب عليها احتواؤه بدلاً من إهماله، فقد يكون هذا الطفل المعاق سبباً لحصولها على الثواب والأجر.
ما يحزن في قصة خالد هو أن الوالدين يتحولان إلى معيق لتطوره بدلاً من أن يكونا عاملاً داعماً له، فتعرضه للإساءة والحرمان بشكل متكرر، قد توصله إلى مراحل متقدمة ومستعصية على العلاج.
يقول خالد: لست حزيناً، ولكن لماذا يستميت بعض الآباء والأمهات لإنجابنا إن كانوا غير أهل لتربيتا؟ يظل بعض أفراد هذه الشريحة في عتمة الحياة وقسوة الأسرة والمجتمع، ذنبهم الوحيد أنهم من «ذوي الاحتياجات الخاصة»، ولدوا وأطرافهم لا تستجيب لأوامر أدمغتهم، والبعض فاقدون للسمع أو النطق أو البصر.
وبعض الأهالي ليس لديهم الوعي الكافي بواقع ومتطلبات إعاقة الطفل، وكيفية التكيف معها وتعزيز دورها في القيام بواجباتها، فمنهم من يعتبر أن عزلهم عن المجتمع أفضل من دمجهم، لتفادي الإحراج في حقه أو في حق العائلة، كما قالت إحدى الأمهات «وين أطلعه، فشله».
من الواضح أنها تعتبر ابنها وصمة اجتماعية، لا تتناسب مع مركزها ومكانتها. ما أصعب أن يعيش هذا المعاق في محيط حياته وهو يشعر بالغربة، وكأنه طير حبيس القفص محروم من روعة وجمال منظر السماء والبساتين.
مع هذا كله، من الخطأ أن ننكر وجود عائلات أخرى يكون فيها تقبل هذه الصدمة عكسياً، فهي تقبل إعاقة الطفل المعاق، بل ونجد مثل هذه الحالة توحد العائلة بعد أن كانوا متفرقين، لأن لديهم هدفاً مشتركاً يعملون من أجله، فيتكاتفون لمصلحة الطفل الذي هو في أمس الحاجة لهم.
تطبيق المجتمع لبرنامج دمج هذه الفئة، يذيب الفوارق الفردية بين المعاقين والأسوياء، مما يخفف المعاناة على أسرة الطفل ذي الاحتياجات الخاصة، ويزيد من شعور الطفل بذاته وتكيفه مع أقرانه الأسوياء.
يتجه حالياً أغلب الدول إلى تطبيق برامج الدمج للطلاب المعاقين في بعض المدارس ضمن أقرانهم الأسوياء، ويشمل هذا الدمج العمل والمجتمع الذي له دور كبير في رفع المعاناة عن كاهل أسرة الطفل المعاق.
دولة الإمارات لها اهتمام وحرص كبير على دمج هذه الفئة في المجتمع، ليقينها التام بأنهم يستحقون الرعاية والاهتمام، فتفاعل هذه الشريحة في المجتمع ولو بالقليل يعَّد بحد ذاته إنجازاً. فلقد استقبلت الدولة الشاب السعودي عمار بوقس، الذي يعاني شللاً في معظم أعضاء جسده، ودعمته لإكمال مسيرته التعليمية والعلاجية.
حين ولد عمار أخبر الأطباء والده باستحالة عيشه طويلاً فأمثاله يكون الموت إليهم أقرب، ولكنه لقي من والديه وإخوته الاهتمام والرعاية والحب، فاستطاع كسر كل عواميد التحدي بما تلقاه من أحاسيس مفعمة بالحب والإرادة القوية والإصرار. واقع مُعاق تُرفع لهُ القبعات، وواقع يعيشه بعض الأصحاء لا يُذكر.. الإعاقة بلا شك إعاقة الأنفس، وليست إعاقة الأبدان.
وأنا أكتب هذه الكلمات، حاصرتني أسئلة كثيرة عن مشاعر وتساؤلات هذه الفئة التي تعيش في عالمها الغامض بصمت.. إلى متى سيرفضهم أقرب الناس إليهم! كما توالت صور بعض المواقف التي جمعتني ببعض منهم، فهذه الأصابع المتشابكة والعيون البريئة الممتلئة بالفطرة والحب، لا تحتاج سوى شهادة قبول.