الفرق واضح في قواميس اللغة العربية، بين مصطلح التربية ومصطلح التعليم، فالأول يعني التهذيب والتأديب، أما الثاني فأصله هو الفعل «علم» والمضارع «يعلم»؛ أي جعل الفرد يعرف ويدرك. ومع اختلاف المصطلحين إلا أن العلاقة بينهما وثيقة، فالتعليم هو أحد أهم أدوات التربية، كما أن التربية تؤدي إلى نوع من أنواع التعليم.
والتربية هي المظلة الكبرى التي تشتمل على كافة المفاهيم التي ترتبط بجوانب العملية التعليمية، التي تتمثل في التوقف أمام مواقف المشكلة ودراستها، ثم وضع الحلول المناسبة لها، من خلال جمع المعلومات وتقييم الموقف، وتطبيق الأفكار المناسبة أو التفكير خارج الصندوق بحثا عن الحلول الابتكارية، وهو جوهر عملية التعليم وذروة سنامه، في عصر لم يعد فيه مكان للمقلدين أو العاجزين عن طرح بدائل غير متوقعة.
ولأن الابتكار مهارة يمكن التدرب عليها واكتسابها وصقلها منذ المراحل السنية الأولى، ولأن التعليم أحد أهم مصادر تنمية التفكير الابتكاري والأكثر تأثيراً وديمومة، تأتي أهمية اعتماد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لخطة وزارة التربية والتعليم 2015- 2021، التي تتخذ من الابتكار محوراً رئيساً لها.
وتطوير المنظومة التعليمية وفق مفهوم أشمل على أسس علمية حديثة، تقود إلى الابتكار عبر وسائل وأدوات ومخرجات مبتكرة، تؤدي إلى تحقيق المستهدفات الرئيسة لمؤشرات الأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021.
ذلك أن العصر الذي نعيشه لم يعد فيه التعليم التقليدي، القائم على التلقين وملء الوعاء، قادرا على تلبية احتياجات الأمم التي تسعى لأن يكون لها مكان فوق الأرض وتحت الشمس، وأن تكون في طليعة الأمم، فالتحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة هي تحديات علمية، ومعارك القرن الحادي والعشرين ساحتها لم تعد جبهات القتال.
ولكن المعامل والمختبرات ومراكز البحوث والجامعات والمعاهد العلمية والتقنية، وحتى التقدم في جبهات القتال يسبقه ويدعمه تقدم في ساحات العلم أولا، فلم تعد قوة الجيوش تقاس بتعدادها البشري بقدر قواها النوعية، وهو ما يجعل التعليم الابتكاري خياراً أوحد أمام أبناء الإمارات.
كما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حين قال «إن مستقبل أبناء الإمارات سيظل شغلنا الشاغل، ونريد أن يكون لأبنائنا إنتاج معرفي يضيف قيمة لمسيرة النهضة في دولتنا، ما يجعل إحداث نقلة نوعية في قطاع التعليم أمراً حتمياً وليس اختيارياً».
من هنا فإن استراتيجية التعليم، التي تتمحور حول الابتكار، تتطلب أن نحدد ملامح أساسية تؤسس لمرحلة الانطلاق، منطلقة من المثل الصيني القائل «لا تعطني سمكة، ولكن أعطني سنارة وعلمني كيف أصطاد»، وهو ما يؤكد أهمية أن يرسخ في عقول أبنائنا أن التعليم لا يبدأ بمرحلة وينتهي بانتهاء مرحلة معينة، لكنه من «المهد إلى اللحد».
وكما قال الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» عن اثنين لا يشبعان «أولهما طالب علم»، وهو ما يؤكد أهمية ديمومة التعلم أو ما يسمى بالتعليم المستمر، فمن يتوقف عن تحصيل الجديد في كل فرع من فروع المعرفة فهو يتأخر دون شك.
كما أن أهمية التعليم الابتكاري تتعدى أن يستوعب الدارس ما يقدم له من معلومات، ويدرك كيفية الاستفادة منها عبر التطبيق أو ما يسمى بالتعليم الوظيفي، ولكن المهم هو كيف يتعلم البحث عن المعلومة بنفسه واستخلاصها من بين هدير المعلومات المحيطة به، وتقييمها، وتصنيفها، واستدعائها عند الحاجة إليها.
ورغم أن الحفظ والتذكر مهارة، إلا أن الأهم منهما هو أن تتجه المناهج الدراسية لتعليم أبنائنا مهارات التفكير؛ أي «كيف يفكر وليس فقط كيف يتذكر»، والقدرة على التفكير النقدي الذي يساعدهم على التحليل للوصول إلى العوامل المؤدية لحدوث ظاهرة بعينها، وهو ما يجعل الفرد يدرك أن إنتاج المعلومة أهم من تعلمها وحفظها.
وينعكس على ثقة أبنائنا بأنفسهم وقدرتهم على العطاء، إذ ان من أهم أدوار التعليم الابتكاري اكتشاف الطاقات المختلفة لدى الفرد، وتنميتها من خلال المواقف التعليمية المختلفة التي تهدف إلى «قدح الشرارة لا ملء الوعاء».
فضلا عن ذلك فإن الباب الواسع للتعليم القائم على الابتكار، هو ألا يتعامل الدارس مع المعلومات باعتبارها جزرا منفصلة، ولكن يدرك العلاقة بين مختلف المعارف وكيفية تنظيمها في إطار واحد فيؤثر ويتأثر بعضها على بعض وفيه معا، مما يساعد في الخروج من بين العلوم التكاملية بفكر جديد أو علم جديد، وتلك إحدى أهم طرق تنشيط الفكر، وإنعاش الذاكرة، وتعلم مهارة التعامل، ومعالجة المعلومة، وإدراك علاقاتها بغيرها.
فالعلوم البينية من أهم سمات العصر الذي نعيشه، إضافة إلى التعليم الوظيفي، وهو المتعلق بالهدف من القيام بسلوك بحثي محدد سواء لمعالجة مشكلة، وهو ما يجعل للعلم حلاوة حينما يدرك الفرد التغيير الذي حدث نتيجة لاتباع منهج علمي، بعيدا عن الأفكار المجردة التي لا ترتبط بالواقع المحيط أو بالمشكلات الأكثر إلحاحا.
وهذا يتطلب الخروج من دائرة القاعات الدراسية بمعناها التقليدي، والنزول إلى المجال الميداني للحصول على المعلومات واختبارها، واعتماد طرائق التعلم عبر حلقات النقاش والتعليم التعاوني؛ بمعنى أن يكون دور المعلم تنسيقيا وليس تلقينيا، كما أنه المحفز للبحث عن المعلومة وليس مصدرها.
فضلا عن كونه عينا فاحصة لإدراك الفروق الفردية بين الدارسين، وتوظيف مهارات كل منهم في المجالات التي تعظم مهاراتهم، باستخدام أسلوب المناقشة وطرح الأسئلة، الذي يؤكد دور المتعلم في طرح المعلومة، أو ما يعرف بعملية تبادل الأدوار، دون أن تكون العملية التعليمية في اتجاه واحد.
وهو ما يورث الدارس سلبية واتكالية واسترخاء ذهنيا، ما يؤكد أهمية تكامل حلقات التعليم الابتكاري، بتأهيل المعلمين أنفسهم لتلك المرحلة باعتبارهم من أهم حلقات العملية التعليمية.
إن اعتماد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لخطة تعليم قائمة على الابتكار، هو الطريق إلى تعليم المستقبل، لكن الذي يعظم منها ويميزها، هو أنها ارتبطت بتحقيق المستهدفات الرئيسة لمؤشرات الأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021، وهو ما يجعل الاهتمام بالتعليم قضية أمن وطني.