جف حلقنا وأصابنا الملل ونحن نزعق، مع كثيرين، بأن إسرائيل تكاد تكون الدولة الوحيدة على ظهر المعمورة، التي تعلقت نشأتها بالتنظيم الدولي.. ومع ذلك، فإنها بأسسها الفكرية وسياساتها وممارساتها ومواقفها.. أثبتت أنها الدولة الأكثر عصياناً لقوانين الأمم المتحضرة وأطرها التنظيمية.
خلافاً لكل خلق الله من الدول، جرى وضع النطفة الأولى لإسرائيل ورعايتها في رحم عصبة الأمم، عبر صك الانتداب البريطاني المنكود على فلسطين. ثم تطورت هذه النطفة إلى أن خرجت على شكل دولة من رحم الأمم المتحدة.
ويعرف العدول من أهل الاختصاص أن تصنيع هذه الدولة، قام في هذين الطورين على عيوب تاريخية وقانونية بينة، وأن هذا التفرد غير المسبوق، هو المسؤول عن تمرد المولود ومروقه على التنظيمات التي أنتجته سفاحاً.
ليست ثمة صغيرة ولا كبيرة من قضايا الصراع الذي نجم عن قيام إسرائيل، إلا تعرضت لها القوانين الدولية والتنظيمات الساهرة عليها، بوصفات علاجية ناجعة.
لكن عقوق نخب السياسة والحكم في تل أبيب وانفلاتهم الحقوقي وإفلاتهم من العقاب، أحبطت الأخذ بهذه الوصفات، الأمر الذي فاقم هذه القضايا، حتى أمست كلها تقريباً أمراضاً مستعصية مستحيلة المداواة. الساخر في هذه المعادلة أن إسرائيل، على شقاقها مع القوانين الدولية وعدم رضاها الدائم عن الأمم المتحدة، لم تبادر إلى الانسحاب منها..
كما أن الأخيرة، رغم جحود إسرائيل ورفضها الانصياع والطاعة لعشرات، كي لا نقول مئات، القرارات الصادرة عنها، لم تقدم بدورها على فصل هذا العضو ونبذه وطرده من عضويتها العاملة.
ضمن آخر مثلات هذه المسخرة، الرفض الإسرائيلي للتعاون مع لجنة التحقيق الدولية في العدوان الأخير على غزة؛ التي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وذلك بذريعة أن رئيسها الأكاديمي الكندي وليم شاباس «متحيز ضد إسرائيل ومعادٍ لها».
وفي اللحظة ذاتها التي عبرت فيها إسرائيل عن استيائها من المحقق الدولي وفريقه، أعلن رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو عن رفضه طرح فكرة إقامة دولة فلسطينية على مجلس الأمن الدولي، خارج إطار اتفاقية سلام مع إسرائيل. وهذا يعني أن الإسرائيليين يودون تعيين صديق صدوق لهم للتحقيق في جرائمهم، على غرار ما جرى مع آبائهم حين أسسوا دولتهم على مواقف ساسة وحقوقيين دوليين صهاينة!
كما يتطلعون إلى مجلس أمن يتحرك وفق أهوائهم ويقرر بناءً على مخططاتهم، بحيث يصادق على دولة فلسطينية لا تخرج إلا من عباءتهم!.. هل عرفتم تبجحاً كهذا؟ أليس حرياً بالأمم المتحدة عامة ومجلسي حقوق الإنسان والأمن الدوليين خاصة، أن يغاروا على عالمية اختصاصاتهم؟
الأصل في القوانين الدولية والمنظمات العاملة عليها، هو تنظيم العلاقات والتعاملات الدولية، وفقاً للمبادئ والقواعد والنصوص التي تلاقت عليها وتراضت غالبية الأمم والشعوب. لو أن عالمنا أخذ بالقناعات والمثل الفكرية الصهيونية الإسرائيلية، الساعية لابتداع قوانين ومنظمات دولية خاضعة للسياسات والأهداف الذاتية، لأصبحت لدينا قوانين ومنظمات بعدد الأمم والشعوب..
ولفقد مفهوم «دولية» هذه الأطر معناه ودلالته. فالقبول بقرارات التنظيمات، الساهرة على إعمال القوانين الدولية، ليس شأناً أو عملاً اختيارياً قابلاً للخصخصة والاستثناء، وإنما هو أمر ملزم لكل أعضاء هذه التنظيمات، ويستطرد هذا الإلزام أحياناً إلى غير المنضوين فيها.
وعليه، فإن تطبيق القرارات «الدولية» غداة صدورها، لا يتوقف على إرادة الطرف المعني بها ومدى رضاه عنها.
لنتذكر هنا بكل أسى، كيف أن الرفض الفلسطيني والعربي لقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، لم يحل دون اعتماده دولياً والاستناد إليه في قيام دولة إسرائيل ذاتها. قناعتنا أنه ليس بعد تنحية شرعتي القانون والنظام، سوى انتشار الفوضى وشرعة الغاب، وتفشي أنماط التطرف. يصدق ذلك على أحوال الاجتماع السياسي داخل المجتمعات، كما يصدق على العلاقات بين الدول.