أكتب هذا المقال صبيحة يوم الجمعة، من شرفة تطل على نهر النيل في الدور الحادي والعشرين من فندق «فور سيزنز» في القاهرة، والشمس ترسل تباشير خيوطها الأولى لتنعكس على صفحة هذا النهر العظيم، ونحن نستعد لمغادرة عاصمة العرب الأولى، بعد زيارة نظمها نادي دبي للصحافة، بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لمجموعة من القيادات الإعلامية الإماراتية، قابلنا خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، واستمعنا إلى رئيس الوزراء إبراهيم محلب، والدكتور سلطان أحمد الجابر وزير الدولة رئيس المكتب التنسيقي للمشاريع التنموية الإماراتية في مصر.
جئنا إلى مصر ونحن مطمئنون عليها، لأن مصر محروسة منذ فجر التاريخ، ونغادرها ونحن أكثر اطمئنانا عليها، لأن الله هيأ لها رجالا يعرفون قيمتها ومكانتها بين البلدان والأمم، تنبض قلوبهم بحب هذا البلد الذي يجري على أرضه هذا النهر العظيم منذ آلاف السنين، ويقف شاهدا على أحداث عظيمة تقصر عن حصرها الكتب، ويعجز عن وصفها اللسان والقلم، تثبت أن مصر قد تمر بظروف تعرقل مسيرتها..
لكنها لا تنكسر. جئنا إليها بغرض الاطلاع على المشاريع التنموية التي ترعاها دولة الإمارات في مصر، ونغادرها بعد أن رأينا مشروعا نهضويا يحاول أبناء مصر المخلصون أن يعيدو إحياءه من جديد، بعد أن أنقذوها من الهاوية التي كانت ستتردى إليها لو نجح مخطط الفوضى الذي يُغرِق المنطقة في جر مصر إليه وابتلاعها كما ابتلع دولا عربية أخرى..
لكن مصر المحروسة استطاعت أن تنقذ نفسها منه، بفضل يقظة أبنائها المخلصين الذين يعرفون أن غرق مصر هو غرق للأمة العربية كلها، وأن تغييب مصر هو السبيل الأول لإعادة رسم خارطة المنطقة، وتقسيم دولها، وتوزيع الأدوار فيها،..
لكن هذا لن يحدث إطلاقا، طالما كان في مصر رجال مخلصون أوفياء لبلدهم وأمتهم. التقينا الرئيس عبد الفتاح السيسي، وسمعنا منه كلاما نابعا من القلب؛ تحدث عن المخاطر التي تواجهها الأمة العربية، وعن أهمية تضافر الجهود لمواجهتها، وعن الإرهاب الذي اتسعت خارطته، وعن أهمية الاعتدال في مقابل التطرف الناشئ عن الخطاب الديني المغلوط والابتعاد عن الدين الصحيح.
تحدث عن دولة الإمارات فكانت ملامح وجهه ونبرة صوته خير معبّر عن حب أبناء مصر لدولة الإمارات؛ قال إن الطيبة تظهر في وقت الشدة وليس الرخاء، وثمّن دور كل الدول العربية التي ساندت مصر وقت شدتها، وأعانتها على النجاة بنفسها من مستنقع الفوضى الذي كادت تنزلق إليه.
وحذر من التهويل وإعطاء العمليات الإرهابية التي تجري على أرض مصر أكبر من حجمها الحقيقي، بهف بث الرعب في نفوس أبناء مصر ومحبيها، ودعانا إلى أن نتجول في أرجاء مصر كلها لنتأكد من الاستقرار الذي يسود أنحاءها، رغم محاولات الجماعات الإرهابية ومن يساندها ويروج لها نشر صورة مغايرة عنها.
كيف نواجه محاولات التشكيك في المشاريع المشتركة التي تقيمها مصر مع أشقائها العرب؟ وكيف نرد على أولئك الذين يحاولون التقليل من حجم العمل الذي يجري على أرض مصر؟ كان هذا هو السؤال الذي وجهته للرئيس السيسي خلال استقباله لنا، فكان رده صريحا وواضحا كما توقعته وأردته:
«مواصلة العمل، والإنجاز في المواعيد المحددة، ومتابعة معدلات التنفيذ؛ كل هذه عوامل كفيلة بدحض مثل هذه الدعاوى الخبيثة». في مصر يجري عمل عظيم، يحاول المتطرفون والإرهابيون أن يجهضوه، ويحاول المرجفون الذين يقفون خلفهم ويساندونهم أن يقللوا من شأنه، ويشككوا في أهدافه ونتائجه..
لكن قيادة مصر ماضية في طريقها بخطوات واثقة، ليس للرد على المتطرفين والإرهابيين ومن يقف خلفهم ويساندهم فقط، وإنما لإسعاد شعب مصر وأشقائها وأصدقائها الذين تحمل قلوبهم لها الحب والسلام، أما أولئك المتطرفون والمرجفون فلا تحمل قلوبهم سوى الحقد والظلام، لأنهم اعتادوا العيش في الجحور، ومن يعتد العيش في الجحور يكره النور.
أكاد أصل إلى نهاية المقال وقد اكتمل ضياء شمس صباح القاهرة، وسرت نسمة خريفية باردة عبر نافذة الغرفة المطلة على النيل، وبدأت أصوات السيارات والباعة تصل إليّ مع حركة الحياة التي لا تتوقف في مصر، وألمح من خلال النافذة زورقا يمخر عباب النهر أمامي، يذكرني بجندول الملاح التائه علي محمود طه، ونهر محمود حسن إسماعيل الخالد..
وصوت موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الذي تغنى بقصيدتيهما الرائعتين، فأعود إلى زمن كانت مصر فيه رائدة الفن والأدب والثقافة وكل مجالات الإبداع في العالم العربي، وحاملة لواء مشروع النهضة العربية، ويسري في داخلي شعور بأنها ستعود إلى دورها ومكانتها، مهما مر بها من أزمات ومحن، فمصر لم تخلق إلا للقيادة والريادة، مهما حاول الظلاميون تعطيل دورها أو تغييبه إلى حين.
«اطمئنوا.. مصر بخير».. كان آخر ما سمعناه من الرئيس عبد الفتاح السيسي وهو يودعنا، مغادرين قصر الاتحادية إلى مدينة الإسماعيلية، حيث الحفل الذي يقيمه «تحالف التحدي» بقيادة «شركة الجرافات البحرية الوطنية» الإماراتية مع «هيئة قناة السويس» المصرية، بمناسبة وصول الجرافات البحرية لتباشر أعمال التجريف البحري في قناة السويس الجديدة..
وقد أصر الرئيس على مصافحتنا فردا فردا، فشددنا على يده ولسان حالنا يقول إننا مطمئنون على مصر، فمصر أكبر من الطارئين فيها، ومصر مقبرة الغزاة والمتآمرين عليها، طالما ظل نهرها الخالد جاريا، «شابت على أرضه الليالي.. وضيعت عمرها الجبال.. يا نيل يا ساحر الغيوب».