بحلول هذا العام، يكون قد انقضى نصف قرن على توقيع اتفاقية مهمة بين خمس دول عربية: مصر وسوريا والعراق والأردن والكويت، في سنة 1964، وسميت اتفاقية «السوق العربية المشتركة»، وأدى تطبيق هذه الاتفاقية إلى أن زاد نصيب التجارة بين الدول الأربع الأولى (حيث اعتذرت الكويت عن التصديق عليها بعد توثيقها) في إجمالي صادرات هذه الدول، بنحو الثلثين في خمس سنوات (من 3.8 % في 1964 إلى 6.2 % في 1969).

ولكن الظروف السياسية التي طرأت على البلاد العربية بعد عقد الاتفاقية، وجهت ضربة قاصمة لأي محاولة لزيادة التقارب الاقتصادي بين الدول العربية، كما وجهت ضربة قاسية لغير ذلك من أوجه الحياة الاقتصادية والسياسية في العالم العربي.

كان تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية واحداً من أربعة أهداف اقتصادية تبناها الرأي العام العربي منذ خمسين عاماً، وكانت الأهداف الثلاثة الأخرى: رفع معدل نمو الناتج القومي، وتصحيح هيكل الإنتاج (وعلى الأخص بزيادة نصيب الصناعة التحويلية في الناتج القومي)، وإعادة توزيع الدخل بما يحقق درجة أعلى من العدالة الاجتماعية.

ولا أظن أن هناك اختلافاً على أنه في ما عدا إنجازات جزئية وموفقة في بعض هذه الأهداف، فإن حصيلة الخمسين عاماً كانت مخيبة للآمال فيها جميعاً، وإن كان الفشل بدرجات مختلفة بين دول عربية وأخرى.

ثم حدث منذ أربع سنوات، وعلى الأخذ سنة 2011، ما أحيا الآمال من جديد بحلول ما عرف بـ «ثورات الربيع العربي»، التي رفعت خلالها شعارات تحمل معاني ثلاثة من هذه الأهداف الأربع..

كما داعبت الآمال كثيرين ممن لم يفقدوا ثقتهم بعد في ضرورة الوحدة العربية، في أن تساعد هذه الثورات على تحقيق نوع أو آخر من الاندماج الاقتصادي العربي. ولكن ها نحن نرى، بعد مرور ما يقرب من أربع سنوات على قيام هذه الثورات، أن العرب لم يصبحوا أقرب كثيراً إلى تحقيق هذه الآمال الأربعة مما كانوا قبل ذلك.

ما هي أسباب الفشل طوال العقود الخمسة الماضية، ثم تكرار الفشل من جديد في الأربع سنوات الماضية؟ وإلى أي مدى يحمل المستقبل إمكان السير من جديد نحو تحقيق هذه الأهداف؟ هذان هما السؤالان اللذان أبدأ الآن في محاولة الإجابة عنهما..

منذ نحو عشرات سنوات، صدر عن هيئة الأمم المتحدة بعض التقارير عن حالة الاقتصاد والمجتمع العربي، تحمل عنوان «التنمية الإنسانية العربية»، وقد حازت شهرة واسعة، إذ حاولت شرح أوجه الفشل في الأداء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي العربي وتفسيرها.

واستعانت الأمم المتحدة في كتابها ببعض الخبراء العرب المرموقين، كل في مجاله، ودعمت ما وصلت إليه من نتائج بالأرقام واستطلاعات الرأي، ما أضفى على هذه التقارير سمة الموضوعية وعدم التحيز.

ولكني لاحظت (كما لاحظ غيري)، أن هذه التقارير أغفلت (إغفالاً تاماً تقريباً) ما يمكن أن يكون للعوامل الخارجية من دور في حدوث هذا الفشل العربي، وأقصد بذلك تغيرات المناخ الدولي، أو ما طرأ من تغيرات على مصالح القوى الخارجية في المنطقة العربية، منذ منتصف الستينيات.

وقد أدى بي استعراض لما طرأ على العالم من تغيرات خلال الخمسين عاماً الماضية، ما يمكن أن يكون له أثر في تغير السياسات الاقتصادية العربية، إلى استخلاص تغيرين مهمين في المناخ الدولي والعلاقات الدولية، ما يمكن أن يكون له هذا الأثر في العالم العربي: أولهما، الارتفاع الملحوظ في درجة العولمة، أي درجة الارتباط بين مناطق العالم ودوله المختلفة، من حيث تبادل السلع والخدمات والأفكار..

وانتقال رؤوس الأموال والأشخاص والمعلومات. والثاني، تراجع دور الدولة القومي في تشكيل حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مقارنة بدور الشركات الدولية، وعلى الأخص ما يسمى بالشركات متعددة الجنسيات.

هذان التطوران يرتبط أحدهما بالآخر ارتباطاً وثيقاً، فالتقدم التكنولوجي الذي دفع الشركات العملاقة إلى النمو، أضعف دور الدولة، وزاد في الوقت نفسه من درجة العولمة.

ومهما اختلفت آراؤنا حول أثر تدخل الدولة في رفع أو خفض معدلات النمو في الناتج القومي ككل، أو حول مدى كفاءة القطاع العام، مقارنة بالقطاع الخاص، فمن الصعب أن ننكر ما يمكن أن تقوم به الدولة من دور في تصحيح هيكل الإنتاج، وتشجيع نمو بعض القطاعات دون غيرها، وأهمية تدخلها في تقليل الفجوة بين الدخول، وفي تشجيع الاتجاه نحو الاندماج الاقتصادي بين عدة دول.

إن الجدل قد يحتدم حول تفسير تجارب الدول المتقدمة اقتصادياً، وما إذا كانت هذه الدول مدينة في رفع معدل نموها الاقتصادي لتطبيق سياسة الحرية الاقتصادية، أم لاتباعها في البداية سياسة الحماية الاقتصادية، قبل أن تأخذ بنظام حرية السوق. فلنتذكر مثلاً دور سياسية التجاريين (mercantilism) قبل مجيء آدم سميث.

وما إذا كان سقوط معظم التجارب الاشتراكية ناتجاً عن اتباعها سياسة التدخل الشديد من جانب الدولة، أو عن أسباب أخرى أكثر أهمية، سياسية أو عسكرية.

ولكني لا أعتقد أن من الممكن أن ننكر أهمية الدور الذي لعبته الدولة في تصحيح الهيكل الاقتصادي، بما قدمته من حماية ودعم للصناعات الوطنية في مختلف تجارب التنمية الناجحة، ناهيك عن دور الدولة في تحقيق مزيد من العدالة في توزيع الدخل، بما في ذلك تجارب الدول الرأسمالية نفسها (تذكر ما قامت به دولة الرفاهة Welfare state، في أعقاب الحرب العالمية الثانية..

وفي تحقيق الاندماج الاقتصادي في الدول الرأسمالية والاشتراكية على السواء، وتذكر تجربة السوق الأوروبية المشتركة، وتجربة الكوميكون في أوروبا الشرقية).

ربما لم يظهر أثر ذلك دائماً في انخفاض معدل نمو الناتج القومي، ولكنه ظهر بكل تأكيد في التطور الذي اتسم به تصحيح الهيكل الإنتاجي، ومن ثم، استمرت البلاد العربية التي يقوم اقتصادها على تصدير بعض المواد الأولية (كالبترول)، في الاعتماد على هذه المواد بنفس الدرجة تقريباً، التي كانت فيها قبل خمسين عاماً.

وبدلاً من حدوث ارتفاع ملحوظ في نصيب الصناعة التحويلية من الناتج القومي، في هذه البلاد أو غيرها من البلاد العربية، ارتفع بشدة نصيب قطاعات الخدمات، وهي قطاعات ضعيفة الأثر في رفع مستوى الإنتاجية في الاقتصاد ككل، أو في حمايته من آثار التقلبات الاقتصادية في الخارج، أو في تعميم ثمرات النمو الاقتصادي على مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية.

هذا هو ما أقصده بالقول إن تراجع دور الدولة القومية، مقارنة بدور الشركات الخاصة متعددة الجنسيات، كان ذا آثار سلبية مهمة في قدرة البلاد العربية على تحقيق أهدافها الاقتصادية. ولكن العامل الآخر (ارتفاع درجة العولمة)، كانت له أيضاً آثار سلبية مباشرة في مسيرة الاقتصادي العربي، وهو ما أرجو أن أتناوله في مقال مقبل.