يبدو أن هناك ضرورة لإعادة تعريف إسرائيل وفهمها كي نعرف طريقة التعامل معها ونكشف عن أدوات مواجهتها.

فتعريف إسرائيل ككيان عنصري استعماري استيطاني إجلائي تعريف صحيح ودقيق ويحدد ماهية إسرائيل، وهو ما أجمع عليه أغلب الكتاب والسياسيين العرب ومازالوا. غير أن هذا التعريف العام لا يستنفد خصوصيتها بالمعنى التاريخي الذي يحدد مصيرها النهائي الحتمي، فهذا الكيان العنصري الاستيطاني الإجلائي موجود بوجود الشعب، كل الشعب الذي تمارس عليه تبعات وجودها من جهة ويكافح من أجل وجوده في عالم ينتمي إليه. هذه الواقعة الفلسطينية الموضوعية تحدد إسرائيل الآن وكما هي منذ وجودها بوصفها ورطة تاريخية لليهود في فلسطين.

هذه الورطة ناتجة عن حماقة القوة المؤسسة لهذا الكيان. لقد أقيمت أول مستعمرة يهودية في فلسطين عام 1878 وها نحن في عام 2014 بين هذين التاريخيين قامت ثورات وانتفاضات فلسطينية كثيرة ولاتزال، وثلاث حروب، وها قد مضى على إنشاء الكيان الصهيوني ستة وستون عاماً.

أليس عند اليهود في فلسطين المحتلة من يطرح على نفسه السؤال التالي: كيف نفسر استمرار الصراع مع الفلسطينيين ودون توقف كل هذا الوقت؟ لماذا يبدو الصراع وكأنه ظهر لتوه؟ سواء كان الصراع داخل فلسطين، أو كان صراعا في أروقة الأمم المتحدة، ولايزال العالم الفاعل حاضرا بآراء حول سبل الحل أو إنهاء الصراع. لايزال العرب جزءا من هذا الصراع وينظرون الى فلسطين بوصفها قضيتهم.

لعلهم لو طرحوا هذا السؤال على أنفسهم لتحرروا من الوهم العنصري التعصبي. لأدركوا أنهم ثمرة تطابق الخبث البريطاني والعماء العنصري في استخدام القوة الحمقاء التي وضعت جزءا من يهود العالم في ورطة تاريخية مستحيلة الاستمرار. لا سيما أن هذا الكيان لا ينتمي إلى ثقافة المنطقة وهمومها ومصالحها وآمالها، ولا يسعى أصلا إلى ذلك، إنه كيان غريب في قلب عالم عربي، يعتقد أنه لن يعيش إلا عبر القوة المسلحة، أي بنفس الوسيلة التي أنشأته - القوة الحمقاء.

أجل إسرائيل كيان ورطة تاريخية ولن يكون إلى ورطة تاريخية.

وآية ذلك ما تشاهده العين المجردة من رفض اسرائيل أي حل سياسي معقول للصراع . فإسرائيل ترفض قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية كما ترفض قيام دولة ثنائية القومية على أرض فلسطين التاريخية بل وترفض ضم فلسطينيي الضفة الى كيانها ومنحهم جنسيتها. لأن أي حل معقول يعني إعادة جزء من حق الفلسطيني إليه وهذا أمر سيمهد الطريق لنهاية العصبية الصهيونية التي تتكئ عليها هذه الورطة.

أين سيهرب اليهودي في فلسطين من الفلسطيني في غزة والضفة والجليل والنقب والأردن ولبنان وسوريا؟ فقط على الصهيوني أن يسأل نفسه هذا السؤال ليكتشف ورطته التاريخية.

من حيث المبدأ والمنطقي والعقلي أن من يعيش ورطة تاريخية فإنه يعمل على الخروج منها بأقل الخسائر. غير أن العقل الصهيوني ينطلق من سؤال: كيف تستمر إسرائيل كورطة تاريخية مهما كان الثمن؟ ويتناسى هذا العقل الذي لا يفكر أن للورطة، مهما طال زمانها أو قصر، نهاية حتمية، فإما أن ينجو المتورط تاريخيا من ورطته مع تغير كيفي في طبيعته أو أن تأتي عليه الورطة من جذوره، وليس هناك حالة ثالثة أبدا.

وهناك أمر في غاية الأهمية تجب الإشارة إليه، وهو أن علينا نحن العرب أن ننطلق من فهم كهذا للكيان الصهيوني ونزيد من ورطته التاريخية ونعمل على أن نخلق لديه الوعي بذاته على أنه ورطة تاريخية.

والحق أن قادة اسرائيل كلما شعروا، حتى الآن، بمأزق داخلي أو دولي ازداد لديهم الميل الى العنصرية واستخدام القوة الحمقاء. فازدادت ورطتهم التاريخية في علاقتهم بعالم جديد مختلف عن العالم الذي أوجد كيانهم هذا.