لم يكترث إدوارد جون سميث برسائل اللاسلكي من السفن المارة لتحذيره من دخوله منطقة جليدية، فسفينته أكبر بكثير من أن يصيبها مكروه، والشمس الساطعة رغم برودة الجو وهدوء المحيط لا يبعث على أي قلق، ولم يسبق له أن رأى تكوّن جبال جليدية في هذه المنطقة، ورغم أنّ الظلام حل سريعاً وانخفضت به الحرارة بشكلٍ متسارع مما يعطي انطباعاً أنّ سميث وسفينته دخلا منطقة جليدية لم يزدها سوءاً إلا غياب القمر والظلمة الحالكة التي لفّت الأفق المترامي، وبدلاً من أن يتوجس من إمكانية حدوث خطأ ما لم يوافق «سيادته» على تخفيض سرعته القصوى وذهب بغرابة ولا مبالاة للنوم، وما هي إلا مدة يسيرة وإذا بسفينته تصطدم بجبل جليدي وتغرق «التايتانيك» في ساعتين ويغرق معها 1517 راكباً!

أمثال سميث كُثُر، ممن تأخذه العزة بالإثم ولا يتقبل التنبيه من الآخرين، فسيادته أكبر من أن يُخطئ، وأعظم من أن يستمع لمن هو دونه، وفوق سوء التخطيط إن وجد لديه فإنه لا يلحظ المؤشرات الطارئة التي تدل على القصور خلال عمله فيتعامى عنها ظنّاً منه -إن أحسنّا به الظن- أنها ستحل نفسها بنفسها كما تفعل النعامة عندما تدفن رأسها في التراب، ولو كان الأثر سينحصر فيه فقط فلا تثريب عليه فتلك حياته، ولكن عندما يكون مسؤولاً عن مؤسسة وخدماتها تشكل عنصراً حيوياً للمجتمع الذي تتواجد فيه فإنّ أخطاء هذا الشخص تكون وبالاً على الجميع.

يُضحكني ذلك الشخص الذي يتهجّم على من ينتقد الأخطاء ويعرض سُبُلاً لحلّها بأنه لا يرى إلا النصف الفارغ من الكأس، ولكن هذا الشخص لا يرى أن الكأس بأكملها فارغة وأن الماء يسكب خارجها، ولا «يُصحصح» سيادته وهو يرى قادتنا، حفظهم الله ووفقهم، وهم يسعون لاختصار الأزمنة للحاق بركب النخبة ولا تتوقف زياراتهم الميدانية ومتابعاتهم لتفاصيل الأعمال ومواقع المشاريع لضمان سيرها بالسرعة والجودة المطلوبة، بينما هو لايزال متوقفاً وعلى وضعية الـ Pause لا تكاد تجد بينه وبين الموتى فرقاً سوى أنه لم يُدفَن بعد، ويحاول تصوير كل انتقاد لسلبيته وتقصيره بأنه ترصّد شخصي، والمطلوب أن تصفق لسيادته وتدعو له ولسلبيته بالعمر المديد، وفوق ذلك تجده متعجرفاً و«ماكل مقلب في نفسه» عندما تقرأ له برودكاست يقول: «اللي يباني يصعد لي وإلا أنا ما أنزل له»، يالطيب إنت بالأول اكتب سطر واحد بدون أخطاء إملائية بعدين تفلسف!

إن النقد ليس لذات الشخص ولكن لسلوكه، وليس للإنسان ولكن للممارسة القاصرة، وبما أنّ الممارسة لم تخرج من تلقاء نفسها فلا بد أن يكون هناك مسبِّب لها، والقرآن الكريم مليء بانتقاد الممارسات الخاطئة فهو نهجٌ رباني كل الخير في اقتفائه، وكذلك كان قدوتنا صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا»، فانتقاد الممارسة القاصرة واجب للتصحيح، وما لم نعترف أنّ هناك مشكلة وإلا فلن يكون بالإمكان حلّ القصور في الخدمات أو المنتجات، فالنقد ليس للتنغيص ولكن للتمحيص، وليس للمشاكسة ولكن للتأكد بأنّ المستقبل لن يكون مثقلاً بأخطاء ممارسات اليوم!

يتحدث خبراء الإدارة عن نقطة ضعف تحيط بالناجحين من القادة أو كما يطلقون عليها Leadership Blindspot وهي نواح تؤثر على حجم نجاحاتهم بما تحمله من قصور في مسارات قرارات معينة في سعي مشروع منهم للوصول إلى حالةٍ قريبة من الكمال، وترى جلسات عصفٍ كثيرة تدور لطرح سيناريوهات عديدة قد تحصل وكيف بالإمكان مواجهتها إن حدثت حتى يبدو المستقبل متنبأ به بصورة كبيرة، وحتى تحقق مؤسساتهم أرباحاً أكثر وزيادات أوسع في حصصها السوقية، بينما لدينا بعض الأشخاص الشيء الوحيد الذي يفكرون بزيادته هو علاوتهم السنوية والارتقاء الوحيد الذي يشغلهم هو ترقياتهم فقط، أما تطوير العمل وتحسين الخدمات وتنويعها فهو أمر لا يمر بألسنتهم إلا خلال المؤتمرات الإعلامية والتصريحات الصحفية من باب «أسْمِعْهُم ما يريدون سماعه»!

عندما تحدث نسيم طالب عن نظرية «البجعة السوداء» والتي أرجع إليها سبب فشل الاقتصاديين في التنبؤ بتقلبات الأسواق رغم توفر قواعد البيانات الهائلة والتقنية العالية بأنّ هناك أحداثاً نادرة الحدوث لا يمكن التنبؤ بها ومن غير الممكن التحكم بها أيضاً، قلت في نفسي «لا حول و لا قوة إلا بالله» وأن أرى بعض المؤسسات -حتى لا نغمط المؤسسات الناجحة حقها- وهي تُشْعِرُكَ بأنها تعيش في قفصٍ كبير مليء بالكامل بالبجعات السوداء لكثرة تعثرها وضبابية إجراءاتها وهروب المميزين منها وعدم قدرتها على التخطيط الجيد كما يفعل الناجحون من حولها، ويمشي بخيلاء فيها مديروها أو سدنة البجعات المحترمون!

قد تكون هناك حركة كثيرة في تلك المؤسسة المتعثرة أو تلك، ولكن الجهد لا يعني شيئاً ما لم يكن في الاتجاه الصحيح والانشغال لا يمثل فارقاً إن لم يكن في الأمور الصحيحة، وما لم تفتح المؤسسة قلبها قبل آذانها لسماع النقد والتوجيه وإلا فإنها ستبقى تخرج من حفرة لتسقط في أخرى، ولا معنى لأن تقارن المؤسسة نفسها بنتائجها في الماضي، فالأزمنة تغيّرت وسقف الطموحات ارتفع كثيراً، والمسؤول يتحصّل على رواتب عالية لكي يساعد المؤسسة على التحليق والوفاء باحتياجات المجتمع المحلي الذي تنوّعت متطلباته وزادت، لا لكي يتبرّم من النقد و«يصدّعنا بسالفة نصف الكأس الفارغ» ثم «يعيش الدور» ويذهب للنوم بينما جبل الجليد أمامه مباشرة!