لا يفوت المتابع للحرب على تنظيم داعش في العراق، رصد الصعوبات التي تواجهها حكومة الدكتور حيدر العبادي رئيس الوزراء، وبطء تحركها، والإحراج الذي تواجهه إزاء عدم قدرتها على محاربة هذا التنظيم الذي لم تتراجع قوته في المنطقة الغربية، رغم الضربات الجوية التي تقوم بها قوات التحالف، حيث تزداد القناعة يوما بعد آخر بأن هذه الضربات لا يمكنها أن تلحق الهزيمة بهذا التنظيم..

ولا بد من وجود قوات محلية على الأرض لمواجهته. في هذا السياق يرى البعض أن العشائر السنية وحدها قادرة على هزيمة هذا التنظيم، وعلى الحكومة أن تضع في أولوياتها إقامة تحالف مع هذه العشائر وتسليحها، وبمعنى آخر إعادة تشكيل الصحوات التي عملت بكفاءة على طرد تنظيم القاعدة من المحافظات الغربية عام 2006، وهذا الموقف تتبناه الولايات المتحدة، ولكن أمام ذلك عقبة كبيرة.

فتجربة تلك الصحوات لا تشجع على إعادة تكرارها، فهي لا تزال عالقة في الأذهان كأحد أبرز الشواهد على فقدان الثقة بين الحكومة والعشائر السنية، فقد تنكرت حكومة المالكي لتلك الصحوات، وقامت بعمليات تصفيات منظمة لها، مما خلف الكثير من الإحباط وخلق الكثير من الشكوك حول صدق النوايا وحول جدوى التعاون بين هذه العشائر والحكومة.

وهذا في الحقيقة جزء من التركة الثقيلة التي خلفها المالكي لسلفه، بعد ثماني سنوات من حكم فردي بنى خلالها مؤسسات ينخرها الفساد، في ظل برلمان استطاع ترويضه وحلفاء تمكن من توريطهم، ليترك خزينة خاوية واقتصادا يزداد ارتباكا مع انخفاض أسعار النفط في العالم.

ولو افترضنا أن هذه العقبة يمكن تجاوزها في ضوء ما أبداه الدكتور العبادي حتى الآن من حسن النوايا والرغبة في التغيير، فإن الظروف قد تغيرت كثيرا عما كانت عليه عام 2006، حين كانت القوات الأمريكية موجودة في العراق تشكل غطاء للاتفاق بين العشائر والحكومة من جهة، وحين لم يكن تنظيم القاعدة بقوة ونفوذ تنظيم داعش من جهة أخرى. فالعشائر والمسؤولون في المحافظة..

قد توصلوا إلى القناعة بضرورة تدخل قوات برية لمساعدتها، سواء كانت عراقية أو أجنبية، وقد طالب مجلس محافظة الأنبار مؤخرا بتدخل أمريكي مباشر، لعجز الحكومة عن التعامل مع الموقف. فعشائر الأنبار تجد صعوبات جمة في مواجهة داعش، الذي استهدف عشيرة البونمر إحدى أكبر عشائر الدليم وقاومها بارتكاب المجازر، مما يدلل على مقدار ما يتمتع به هذا التنظيم من قوة في المحافظة. فقدرات الحكومة محدودة..

حيث تجد صعوبات كبيرة في إرسال الإمدادات من الجنود والسلاح، بعد أن نسف تنظيم داعش العديد من الجسور، وبعد أن أصبحت وسائل الاتصال بهذه العشائر تعتريها صعوبات كثيرة، فالدعم الجوي المحدود لم يغير من معادلات القوة على الأرض.

من جانب آخر، يرى آخرون أن تسليح العشائر خطأ استراتيجي ستكون له تداعياته على الأمد البعيد، وهو ليس الحل الأفضل في ظل الظروف التي يمر بها العراق، لأن السلاح ينبغي أن يكون حصرا في يد الدولة فحيازته قضية سيادية لها. والبديل الذي يطرحونه يتضمن شقين؛ أولهما سياسي..

وهو أن تفرض الدولة نفسها مؤسسة عراقية للجميع، عبر اتخاذ إجراءات سريعة لإزالة أسباب الاحتقان والتهميش والإقصاء ونبذ سياسات الانتقام، واتخاذ إجراءات صارمة لمحاربة النزعات الطائفية ووضع آليات لذلك، وإصدار قرار بحل جميع المليشيات وملاحقة من لا ينصاع لذلك. والثاني عسكري، وهو العمل سريعا على إعادة بناء جيش عراقي مهني، وفق العقيدة الوطنية التي طالما تحلى بها منذ تأسيسه.

ولكن ما يجري على أرض الواقع غير هذا وذاك، إذ تتخذ إجراءات لتشكيل منظومة حرس وطني من أبناء كل محافظة، كقوة رديفة للجيش والشرطة تكون مهامها حفظ الأمن في المحافظة، وذلك تنفيذا لوثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل البرلمانية المشاركة في حكومة العبادي، التي قررت في أولى جلساتها في التاسع من سبتمبر المنصرم، إعدد مشروع قانون تأسيس «قوات الحرس الوطني» وتنظيم موضوع المتطوعين من الحشد الشعبي. وهناك تحفظات عديدة على هذا التوجه، كونه تعريضا بالجيش العراقي وتحجيما لدوره الوطني، إضافة إلى أنه بمثابة تكريس لانعزالية كل محافظة وتعزيز لروح الانتماءات المناطقية..

وقد يقود على المدى البعيد إلى إحياء الدعوات لتشكيل الأقاليم تمهيدا لتقسيم العراق. ثمة أمر سلبي آخر لا بد من الإشارة إليه ورد في مشروع القانون المذكور، حيث كرست الفقرتان الأولى والخامسة من المادة الثانية منه، المحاصصة العرقية والطائفية، حين تحدثتا عن تمثيل المكونات بما يتناسب مع حجمها في كل محافظة.

إلا أن هذا التوجه رغم سلبياته، يمكن قبوله كحل مؤقت لمواجهة تنظيم داعش ومراعاة للظروف الحساسة التي يمر بها العراق، والتي تتطلب تجنب الاحتكاكات وتوفير أجواء الاطمئنان لإعادة مد جسور الثقة بين مكونات الشعب العراقي، خاصة إذا صاحبته حزمة من الإجراءات التي تساعد على إعادة اللحمة بين أبناء الشعب. فقد أبانت أزمة التعامل مع داعش، مدى الضعف الذي انتاب العراق نتيجة السياسات غير المسؤولة التي بنيت على التهميش والإقصاء.

إن حرب العراق على تنظيم داعش تختلف عن حرب قوات التحالف ضد هذا التنظيم، وذلك لأن حرب العراق هي في الوقت نفسه حرب على الفساد وسوء الإدارة التي جلبت داعش، وهو ما يواجهه الدكتور العبادي، الذي شخص ذلك فعلا في البيان الذي صدر عن مكتبه الإعلامي مؤخرا، والذي قال فيه «الفساد هو أثقل تركة ورثتها الحكومة».