
هل يمكننا أن نتحدث عن «الربيع» أو الثورات التي اجتاحت العالم العربي بشكل تقني technical، بمعنى تشريح ما حدث بعيداً عن رغباتنا وتحيزاتنا، سواء كنا مع أو ضد تلك الثورات بموجاتها المختلفة؟ الهدف من السؤال هو النظرة بشكل إيجابي إلى المستقبل، من أجل بناء معمار سياسي جديد يتجنب سلبيات النظام الذي انهار منذ شرارة تونس حتى اليوم.
فلا يمكن أن نبني إلا إذا أدركنا الخلل الذي أدى إلى اندلاع الثورات أو انهيار المؤسسات، بعيدا عن جدل المؤامرة أو جدل الثورة. فحتى لو كانت ثورة يناير في مصر، وهنا أكتب كمصري، هي مجرد مؤامرة كما يدعي البعض، فالأولى أن نفهم لماذا انهار النظام أمام مؤامرة؟ وهل ما نبنيه اليوم قد ينهار لو جاءت مؤامرة أخرى، وما أكثر المؤامرات؟
في تصوري أن ما حدث في يناير كان في المقام الأول تآكلاً في معظم مؤسسات الدولة، أدى إلى تصدعها بسرعة. لذا في الحالة المصرية لم تبق إلا مؤسسة واحدة قادرة على حماية البلاد، وهي القوات المسلحة المصرية. تآكل الشرعية في وقت واحد وفي معظم المؤسسات، يطرح أسئلة كثيرة عما حدث يجب تشريحها.
حتى الذين كانوا يتحدثون عن الفلول وعن حزب وطني حاكم، لم يجدوا من الأدلة ما يبرر وجود هذا الحزب، فمثلاً أين كان الـ2 مليون عضو للحزب الوطني يوم الانهيار، مما يبرر أحاديث البعض عن الفلول؟ كيف ذاب هذا الحزب تماماً وكأن سائلاً حارقاً قد تم رشه فأدى إلى تآكله في لحظة؟
ربما من المؤسسات التي بقيت بشكل معقول بعد الجيش، هي مؤسسة القضاء، رغم أن بداية التصدع ضربت فيها أولاً وقبل الثورات. كيف انهارت مؤسسات الأمن كاملة؟ وما هي العوامل التي أدت إلى هذا الانهيار السريع؟ ولماذا لم يدافع أحد عن نظام الحكم أو عن الرئيس كما نرى الآن في سوريا؟
هل لأنه لم تكن هناك طائفة موالية مثل سوريا؟ أم أن الرئيس ومن معه لم تكن لديهم قاعدة شعبية تدافع عنهم أو تضحي بأنفسها من أجله؟ أين كان من يقولون بولائهم للرئيس مبارك اليوم أو يعلنون محبتهم له؟ ألم تكن تلك المحبة موجودة يوم الانهيار ليدفع أحدهم فاتورة الولاء والمحبة؟ أم أننا اليوم في مرحلة «المحبة رخيصة التكاليف»، على عكس «المحبة غالية التكلفة» أيام الثورة؟
بالمحبة هنا أعني الولاء الذي يجعل من هو جزء من النظام، يموت دفاعاً عن مصالحه. ببساطة، هل ما حدث هو تآكل للشرعية والمؤسسات في لحظة واحدة؟ بشكل عام، وفي الحالة المصرية أو الليبية أو التونسية واليمنية، نستطيع القول بأن المؤسسات الوطنية لم تكن قادرة على حمل نظام حكم بعينه لمدة تتجاوز 30 عاماً؟
أي بعد ما يقرب من 30 عاما انتهت صلاحية هذه المؤسسات، كما يتحول الأسمنت أو الجبس إلى تراب بعد فترة فتنهار الأبنية على من فيها. السؤال إذاً؛ هل سنرى هذا الانهيار كل ثلاثين سنة مثلاً؟ أم أننا قادرون على بناء مؤسسات تستمر أكثر من ذلك؟
حتى هذه اللحظة، لم أتحدث عن انهيار النظامين الاجتماعي والاقتصادي.. ترى ما هي العوامل الاقتصادية التي أدت إلى الانهيار؟ من يذكر منكم المؤشرات الاقتصادية التي كان يتحدث عنها النظام الأسبق، من حيث النمو، ومن يذكر مقالات أحمد عز التي نشرت في صحيفة «الأهرام» قبل الثورة، هذه الأرقام لا تبرر خروج الناس إلى الشارع؟
إما أن الأرقام كانت زائفة، أو أن ثمة فجوة بين هذا النمو المزعوم وقدرته على الحفاظ على بقاء النظام. بطريقة أخرى، ما هو معدل النمو القادر على إبقاء نظام ما في تلك البقعة من العالم، والتي إذا ما نقصت يخرج الناس إلى الشوارع؟ هل هناك رقم بعينه أم مجموعة أرقام تقريبية تعد مؤشرات تحذيرية للنظام وتنذر بانهياره؟ ولماذا بقي النظام الاجتماعي بعد كل هذه الثورات ولم يتغير؟
هل كان النظامان السياسي والاجتماعي مختلفين للدرجة التي يكون فيها انهيار أحدهما ليس انهيارا للآخر، أي أن النظام ليس نبتا طبيعيا لمجتمعه؟ فلو كان النظام السياسي انعكاسا للنظام الاجتماعي لحدث تغير فيهما معاً. هل يكفي للبناء الجديد ثورة على الثورة، أم أن فكرة الثورة والثورة المضادة وكل المفاهيم المتداولة، تؤدي إلى السقوط أكثر في الحفرة ومزيد من تآكل المؤسسات وتجعلها غير قادرة على تحمل أعباء النظام الجديد؟
في تصوري لا يمكن بناء نظام جديد يتجاوز أسباب انهيار الأنظمة السابقة، إلا بدراسة تشريحية وموضوعية لأسباب الانهيار الذي حدث. البعض منا ينظر إلى المشهد بشخصنة للنظام السياسي، بمعنى أن تغيير مبارك أو مرسي وإزاحة الأشخاص أو حتى عودة بعضهم، فيه الخلاص من أسباب انهيار القديم. الأنظمة السياسية يصبح الأشخاص رموزاً لها بمعنى اختصار المعاني السياسية للنظام..
ولكنه اختزال مضلل ولا يساعدنا على الفهم، فلا عودة أشخاص نظام مبارك أو حتى نظام مرسي تعد بديلاً عن إعادة بناء المؤسسات التي لم تتحمل هؤلاء الأشخاص، لأنهم حتى لو ركبوا على ذات المؤسسات المنهارة فإنها تنهار مرة أخرى.
الدولة وبناؤها ليسا موضوع أشخاص فقط، رغم أهمية الأشخاص. فالأساس في بناء الدول هو بناء المؤسسات وبناء قدرات هذه المؤسسات، حتى تكون قابلة للاستمرار ولا تنهار أمام أي هزة، سواء كانت مؤامرة أو ثورة. إذاً، بداية البناء الجديد هي الإجابة بموضوعية عن أسباب انهيار القديم، ومن بعد هذا تكون الأسئلة؛ هل نبني نظاما شبيها وبنفس المعايير والمقاييس والمواد وربما البشر؟
وإذا فعلنا هل سيكون مسير الجديد هو ذاته مصير القديم؟ أم نبني بمعايير جديدة ومواد جديدة وربما شخوص جدد، تجنبنا دفع فاتورة مشابهة لما دفعناه خلال السنوات الأربع الماضية؟ بداية البناء الصحيح ما بعد الانهيار، هي طرح الأسئلة الصحيحة، وأتمنى أن نتوقف لحظة لندرس بموضوعية أسباب انهيار القديم، قبل أن نوغل بعيداً في بناء جديد يعيد إنتاج القديم.